طرحت الحركة الشعبية لتحرير السودان، بقيادة مؤسسها الدكتور جون قرنق دي مبيور، مشروع “السودان الجديد” في مايو 1983، كبرنامج فكري سياسي وفلسفي، يهدف إلى إحداث تغيير جذري في هيكل الدولة السودانية، وحيث ولد هذا المشروع في ظل سياق اجتماعي وسياسي وثقافي يرفض أي رؤى أو أفكار تنطلق من خارج أطر دائرة النخب التقليدية التي سيطرت على مركز السلطة منذ استقلال السودان، وتجسدت هذه السيطرة في الهيمنة الطائفية والأيديولوجية والدينية على كافة مفاصل ومؤسسات الدولة، إلى جانب الأنظمة العسكرية التي تحالفت مع النخب المدنية واستولت على الحكم عبر الانقلابات، ما أسفر عن إنتاج أنظمة دكتاتورية متسلطة ضد بنات وابناء الشعب السوداني، وكرست للفساد والاستبداد لعقود.
فشلت الأنظمة التي تعاقبت على مركز السلطة في الخرطوم في معالجة الأزمة السودانية المتفاقمة، او بالأصح “تعمدت” التغاضي عن جوهر الأزمة السودانية للحفاظ على هيمنتها المطلقة على السلطة وعلى مقدرات الشعب والدولة السودانية، إلى جانب ذلك، عانت القوى السياسية والحركات المسلحة من انقسامات داخلية عميقة أضعفت جهودها النضالية، وساهمت سياسات السلطة المركزية في الخرطوم، في تعميق الانقسامات بين القوى السياسية والمسلحة، حيث عززت التحديات والانقسامات عبر انتهاج سياسات تعسفية ساهمت في تقسيم وتشرذم القوى السياسية، إضافة الى تفضيلها خيارات الحلول العسكرية بدلا عن خيارات التفاوض والحلول السلمية مع الحركات المسلحة، وهيمنتة على كافة مؤسسات ومرافق الدولة، خاصة العسكرية والمالية والإعلامية وتسخيرها ضد تلك الحركات لتشوية صورتها وإجهاض برامجها السياسية والفكرية، عبر النفاق السياسي وتلفيق الأكاذيب لفرض هيمنتها الثقافية، العربية والإسلامية، في وقت كان ينعدم فيه وسائل إعلام مستقلة تتيح للشعب الاطلاع على الحقائق.
إلى جانب ذلك، كانت معظم الحركات المسلحة المعارضة لسياسات المركز تفتقد للرؤى والمشاريع الفكرية والسياسية الحقيقية، لا سيما ان مطالبها كانت لا تتجاوز “رفع الظلم والتهميش” بينما عملت بعضها إلى استغلال هذه القضايا لتحقيق مكاسب شخصية، مثل المال والتمثيل التضليلي في مراكز السلطة بالخرطوم، وظل مركز السلطة ينتهج أسلوبًا ثابتًا يقوم على توقيع اتفاقيات لم تحدث تغييرات جوهرية في طبيعة الحكم أو في ممارسات السلطة، باستثناء اتفاقية السلام الشامل 2005، والتي أدت الى تعديل الدستور وإقرار حريات مدنية، ومكاسب عديدة لجنوب السودان، الا ان تماطل وتعنت نظام الإنقاذ وعدم رغبتها في تنفيذ بنود الاتفاقية، دفع شعب جنوب السودان الى تفضيل خيار الانفصال، واستقلال دولتهم في 2011.
قدم الدكتور جون قرنق من خلال مشروع “السودان الجديد” رؤية تستند إلى قراءة عميقة للواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي السوداني، وتشخيص دقيق للأزمة السياسية السودانية.، ركزت هذه الرؤية على غياب مشروع وطني شامل يسعى لبناء دولة ديمقراطية علمانية تقوم على الوحدة الطوعية والعدالة دون تهميش أو إقصاء “ثقافي، سياسي أو التنموي”، وأثار مشروع السودان الجديد نقاشًا جادًا حول قضايا محورية مثل الهوية، والدين والدولة، ونمط الحكم، حيث دعا إلى طرح السؤال الأساسي “كيف يُحكم السودان؟” بدلاً من الاكتفاء بالسؤال التقليدي “من يحكم السودان؟”.
واجهت الحركة الشعبية لتحرير السودان منذ تأسيسها تحديات داخلية وخارجية كبيرة، أبرزها الانقسامات والصراعات الداخلية أثرت بشكل كبير على مسارها، وتمحورت حول اختلاف الأهداف والرؤى بين قادتها، حيث انضم إليها مجموعات لم تكن رؤاهم واهدافهم متطابقة مع ورؤية وأهداف الحركة، بل كانت تسعى لتحقيق اهداف ومصالح ضيقة، مثل الحصول على السلاح لحماية مواردهم المحلية مثل “الماشية”، أو طرد المجموعات العربية السودانية، وانفصال الجنوب، وعام 1991، تفاقمت هذه الخلافات مما ادت الى انقسام الحركة إلى مجموعتين؛ مجموعة “توريت” بقيادة الدكتور جون قرنق، ومجموعة “الناصر” بقيادة رياك مشار ولام أكول، وتطور هذا الصراع ليأخذ أبعادًا إثنية خطيرة، ما أدى إلى اغتيال عدد من القيادات المؤسسة للحركة، وأعاق قدرتها في ذلك الوقت، بل كادت ان تعصف بها، إلا أن الدكتور جون قرنق، كان قائداً شجاعاً وحكيماً، حيث ألقى خطاباً وطنياً مؤثراً وعابر للعرقيات، مما اسهم في إعادة بناء الحركة الشعبية، بل واستقطاب قوى الهامش السوداني حول مشروع “السودان الجديد”، مما عزز رغم التحديات، استمرارية مشروع السودان الجديد الى يومنا هذا.
نواصل
محمد عبدالله إبراهيم
mohammedabdalluh2000@gmail.co
+ There are no comments
Add yours