استراتيجية الحركة الإسلامية .. لتص�ية الثورة وت�كيك الدولة تحت غطاء الحرب (3-3)

Estimated read time 1 min read

محمد عبدالله ابراهيم

mohammedabdalluh2000@gmail.com

منذ عقود طويلة دأبت الحركة الإسلامية �ي السودان على الاستثمار �ي الحروب، وزرع ال�تن وتأجيج الانقسامات وتغذية العن� �ي المجتمعات السودانية، لتشكيل واقع يتناسب مع مشروعها السلطوي، وما نشهده اليوم من حرب ودمار وخراب ليس سوى تتويج لمسيرة طويلة من العبث بالدولة والمجتمع، تسعى من خلالها الحركة الاسلامية إلى إعادة إنتاج النظام القديم، وتص�ية أي أمل �ي إقامة دولة ديمقراطية تعبر عن تطلعات السودانيين �ي الحرية والسلام والعدالة والمواطنة المتساوية.

منذ سقوط نظامهم Ù�ÙŠ أبريل 2019ØŒ لم يخÙ�ÙŠ قادة الإسلاميين نواياهم؛ Ù�قد عبرت تصريحاتهم وتهديداتهم قبل اندلاع حرب 15 أبريل 2023ØŒ عن غضبهم ضد التغير الذي اÙ�ضى الى اسقاطهم، ورÙ�ضهم الصريح لأي تسوية سياسية تخرجهم، وعلى رأسها الاتÙ�اق الإطاري، الذي تعهدوا بإÙ�شاله وتغيير موازين القوى ÙˆÙ�رض واقع جديد لا مكان Ù�يه لمن لا يحمل السلاح، وتلك التصريحات لم تكن مجرد جعجعة، بل تمهيد ممنهج لحرب خططوا لها منذ ان اسقطهم الشعب، وبدأت تتجلى عبر تحركات مريبة واجتماعات سرية وتجمعات للتعبئة، والخروج Ù�ÙŠ مظاهرات، خاصة ما يسمى بـ”الزحÙ� الأخضر”ØŒ وهي مظاهرات كانت تهدÙ� الى تقويض الحكومة الانتقالية التي كان يقودها الدكتور عبد الله حمدوك، وكان بعض قيادات الإسلاميين حتى قبل أيام قليلة من اشتعال الحرب، يدعوا المواطنين علنا إلى إجلاء أسرهم من الخرطوم.

Ù�ÙŠ خضم هذه الحرب، أصبح حضور الإسلاميين أكثر وضوحاً وصخباً من أي وقت مضى، حيث يظهر مقاتلوهم Ù�ÙŠ تسجيلات مرئية متزامنة مع كل تقدم للجيش، يرÙ�عون شعارات الحركة الإسلامية، ويهددون معارضيهم من قوى الثورة، وكل من يجرؤ على الدعوة والمطالبة بوقÙ� الحرب من القوى السياسية والمدنية، وهذه المواقÙ� تتسق تماماً مع تصريحات قادة الجيش أنÙ�سهم، Ù�Ù�ÙŠ لحظة Ù�ارقة أعلن ياسر العطا، نائب القائد العام للجيش، والمشرÙ� الرئيسي لـ”كتائب البراء”ØŒ امام احد الحشود العسكرية قال بÙ�خر؛ “نحن Ù�لول وإسلاميون وكتائب براء”ØŒ أما قائد الجيش البرهان، Ù�ÙŠ اخر تصرح له قبل أيام من بورتسودان، صرح قائلاً؛ “لا مجد للساتك بعد اليوم، المجد Ù�قط للبندقية”ØŒ وقائد الجيش يدرك مغذى تصريحه الذي يشير بوضوح الى ثورة ديسمبر المجيدة التي أطاحت بنظام الإسلاميين Ù�ÙŠ ابريل 2019ØŒ حيث اعتاد المتظاهرون خلال الحراك الثوري على حرق اللساتك Ù�ÙŠ الشوارع العامة لمنع قوات الامن من التقدم والوصول اليهم وقمعهم، ومن خلال تصريحه يريد البرهان القضاء على رمزية “الساتك” أحد أشهر رموز ثورة الشعب السوداني المجيدة Ù�ÙŠ ديسمبر، ويعد تمهيداً لطمس الذاكرة الثورية وتبرير عسكرة الدولة مجدداً.

لقد تحولت الحرب إلى أداة إسلامية بامتياز للعودة إلى المشهد من بوابة ما يسمى بـ”محاربة التمرد، واستعادة الكرامة الوطنية”ØŒ بينما Ù�ÙŠ الواقع، ان الإسلاميين يريدون تصÙ�ية الثورة واحتكار السلطة، ولعل الأخطر من ذلك هو سيطرتهم الÙ�علية على قرار الجيش، وتحكمهم بمسار المعارك من خلال كوادرهم المنتشرة Ù�ÙŠ جميع مناطق سيطرة الجيش، وإجهاضهم لكاÙ�Ø© المبادرات الساعية إلى إيقاÙ� الحرب.

هذه الحرب من منظور الحركة الإسلامية، ليست مجرد نزاع مسلح، بل أداة استراتيجية تنÙ�يذية تمثل الوسيلة النهائية لإزاحة خصومهم السياسيين، وتصÙ�ية قوى الثورة التي ازاحتهم من الحكم، تÙ�كيك الدولة وتدمير المدن، وتمزيق النسيج الاجتماعي، ومن ثم إعادة هندسة الدولة تحت ما يسمى بـ”حرب الكرامة” ومحاربة التمرد، بما يخدم سلطتهم وامتيازاتهم وبناء واقع يتيح لهم العودة إلى الحكم والسيطرة الكاملة من جديد، ومن خلال اختراق مؤسسات الدولة، وبناء شبكات اقتصادية موازية وتشكيل تحالÙ�ات داخل الجيش، أعادت الحركة الإسلامية تموضعها بذكاء خبيث، واستخدمت خطاباً مزدوجاً؛ وطنياً/دينياً للرأي العام، وسرياً/تمكينياً Ù�ÙŠ الكواليس، وما يجري على الأرض اليوم من تعيينات وتعيينات مضادة، وعودة رموز النظام السابق لمواقع القرار، هو دليل صارخ على هذا المشروع، وكأن الثورة لم تكن وكأن دماء الشهداء لم تسÙ�ك، وما الحرب الحالية إلا مسرح لتصÙ�ية الحسابات مع رموز الثورة والناشطين، وإعادة السيطرة على Ù…Ù�اصل الدولة عبر بوابة الجيش، ولان الحركة الإسلامية لا تؤمن بالمراجعة أو المحاسبة أو الديمقراطية، لذلك تعتبر الدولة غنيمة ومجتمعها “رعية” يجب إخضاعها للسمع والطاعة باسم الدين.

أخطر ما Ù�ÙŠ هذا المشروع، Ù�هو محاولته تزييÙ� الوعي، وشيطنة كل من يطالب بالسلام أو الحكم المدني أو العدالة، ويصور كخائن أو عميل أو “داعم للتمرد”ØŒ وهذا الخطاب الذي تشربه إعلام الإسلاميين منذ انقلاب 1989ØŒ تم أعاد إنتاجه اليوم بوسائل أكثر Ù�تكاً، ويبرر للبطش والقمع ويحرض على العنÙ� والكراهية الدينية والسياسية والعرقية، وهذا كله Ù�ÙŠ سياق عملية غسل الادمغة، وشيطنة الثورة وتزييÙ� الارادة.

ولكنه، رغم المذابح والنزوح والدمار لم تنكسر إرادة السودانيين، �صوت الثورة لا يزال يتردد �ي الهتا�ات، و�ي مبادرات لجان المقاومة و�ي نضال السودانيين داخل الوطن وخارجه، وهذه الحرب رغم �ظاعتها، الا انها كش�ت الجوهر الحقيقي لهذا المشروع الإقصائي، وأسقطت أقنعته الزائ�ة ووضعت المجتمع الدولي والعالم أمام مسؤولياتهم، ووضعت قوى الثورة أمام لحظة �ارقة لإعادة التنظيم والتماسك والصمود.

آن الأوان للعالم أن يسمع الحقيقة كاملة؛ هو ان السودان لا يخوض حرباً أهلية طبيعية، بل يواجه مشروعاً انقلابياً مؤدلجاً، يسعى لإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، لتمكين منظومة دمرت البلاد لثلاثة عقود، وعادت اليوم لتكمل ما بدأته تحت راية الخداع الديني والاصط�ا� العسكري.

إن المعركة الحالية هي معركة وجودية بين مشروعين؛ مشروع يسعى لإعادة السودان إلى عصور الظلام والاستبداد باسم الدين، ومشروع شعبي حر يسعى لبناء دولة الحرية والسلام والعدالة والمواطنة والكرامة، وإن انتصار المشروع الأخير هو أمل جميع بنات وابناء الشعب السوداني، وواجبنا اليوم هو التمسك به، و�ضح تحال�ات هذه الحرب، والمطالبة بحماية المدنيين ومحاسبة مجرمي الحرب من جميع الاطرا� المشاركة �يها، وإعادة بناء الحركة الجماهيرية على أسس جديدة، تست�يد من التجارب الماضية وتتمسك بالمبادئ الوطنية، وتستعد للمرحلة القادمة، رغم أن الطريق ليس سهلاً ولكن النصر �يه حتمي.

المجد للساتك .. والمجد للثورة .. والخلود للشهداء .. ولا صوت يعلو �وق صوت الشعب.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours