سكرتير سياسي ضابط أمن .. مأزق حركة سقطت �ي متاهات العسكر (5-10)

Estimated read time 1 min read

سكرتير سياسي ضابط أمن .. مأزق حركة سقطت �ي متاهات العسكر (5-10)

إن أزمة قيادة الحركة �ي جوهرها، لا تنبع من شخص بعينه، بقدر ما تتأسس على نمط سياسي وتنظيمي مختل، أتاح استبدال المشروع بالشخص، وال�كرة بالموقع، والتنظيم بالشبكة، وهو نمط أ�رغ المشروع من مضمونه النضالي التاريخي، وحوله من ساحة رؤى وأ�كار إلى منظومة ولاءات انتهازية تدار بمنطق الن�وذ لا بمنطق السياسة، و�ي هذا السياق تمدد ن�وذ السكرتير السياسي لا بوص�ه �اعلاً استثنائياً أو صاحب ك�اءة نوعية، بل كنتاج مباشر لغياب السق� السياسي والمؤسسي الذي كان ي�ترض أن يقيد ويضبط دوره ضمن حدود واضحة. وعليه، �إن أي محاولة جادة لإنقاذ ما تبقى من الحركة، أو لاستعادة معناها ومشروعها السياسي، لا يمكن أن تختزل �ي المناورات التكتيكية أو الهروب إلى الأمام، بل تقتضي بالضرورة مراجعة جذرية وشجاعة لدور القيادة، وخياراتها، ومسؤوليتها الكاملة عن هذا المسار المنحر�. �إعادة تدوير الأزمة، أو استبدالها بأزمة جديدة �ي ثوب مختل�، لا تمثل إصلاحاً، بل تكريساً لل�شل.

وإذا كانت قيادة الحركة الشعبية، ممثلة Ù�ÙŠ رئيسها مالك عقار، تتحمل نصيباً واÙ�راً من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن Ù�تح الأبواب أمام هذا المسار القبيح، Ù�إن القاعدة التنظيمية من كوادر وعضوية هي التي دÙ�عت الثمن الأكبر. Ù�هؤلاء لم يكونوا شركاء Ù�ÙŠ الصÙ�قات، ولا طرÙ�اً Ù�ÙŠ الحسابات الأمنية، بل وجدوا أنÙ�سهم على نحو Ù…Ù�اجئ وقاسي داخل تنظيم لم يعد يشبه أحلامهم الأولى، ولا يعكس الدواÙ�ع والمبادئ ولا الاحلام التي قادتهم إلى الانضمام من اجله والانخراط Ù�يه، وهكذا أصاب الإحباط العميق غالبية العضوية. Ù�الحركة التي كانت يوماً Ù�ضاءً واسعاً متعدد الأطياÙ�ØŒ ومÙ�توحاً للتعدد والاختلاÙ�ØŒ ومنبراً للأمل وإمكانات التغيير، تحولت تدريجياً إلى كيان يدار بمنطق التنÙ�يذ لا التÙ�كير، والاصطÙ�اÙ� لا السؤال، ومع غياب الشÙ�اÙ�ية، وتآكل المؤسسية، وانسداد Ø£Ù�Ù‚ الإصلاح الحقيقي. بعد أن جرى استبداله بإصلاحات شكلية خاوية. انسحب كثيرون، واختار آخرون البقاء على الهامش، Ù�يما وصم كل من تجرأ على النقد أو طرح الأسئلة بأنه “غير منضبط”.

أما الرÙ�اق، الذين شكلوا تاريخياً روح المشروع الثوري ووقوده المتجدد، Ù�قد جرى إقصاؤهم Ù�علياً من معادلة القرار، ولم يعودوا شركاء Ù�ÙŠ صياغة المواقÙ� أو Ù�ÙŠ رسم Ø£Ù�Ù‚ المستقبل، بل جرى التعامل معهم بوصÙ�هم طاقة ينبغي ضبطها أو التخلص منها، لا قوة سياسية يجب تمكينها والاستثمار Ù�يها، وبهذا تآكلت الثقة بين الأجيال الجديدة والتنظيم، واتسعت الهوة بين خطاب يرÙ�ع شعارات “التجديد والبناء المؤسسي”ØŒ وممارسة يومية تعيد إنتاج أكثر أشكال الانتهازية السياسية Ù�جاجة.

وللأس�، �إن قطاعاً واسعاً من الجيل القديم لم يكن بمنأى عن انتهازية السكرتير الساسي وهذا الانحرا�؛ إذ اضطلع بدور قائم على التملق وازدواجية الخطاب، وعلى الخو� لا الاحترام، والتكتيك لا الصراحة، ويقولون ما لا يؤمنون به، ويمارسون السياسة بوص�ها حيلة لا موق�اً، وأداة للتقرب لا ساحة للرؤى والاختلا� المسؤول. يتقربون من رئيس الحركة بالخداع لا بالمكاش�ة، ويبدون أمامه موق�اً، بينما يضمرون نقيضه �ي الخ�اء. ورغم أن الرئيس ن�سه يقع �ي أخطاء جسيمة �ي تقديراته وتصوراته، �إن أحداً لا يجرؤ على مواجهته بالحقيقة، لا د�اعاً عن الحركة ولا حرصاً على مستقبلها، بل ح�اظاً على مواقع هشة ومكاسب زائلة.

والأخطر من ذلك كله، أن هذه البيئة Ø£Ù�رزت ثقاÙ�Ø© تنظيمية مريضة ومسمومة .. رÙ�اق يجلسون معاً، وربما يتقاسمون المنزل الواحد، يتبادلون الضحكات والمجاملات، Ù�يما يحمل كل منهم Ù�ÙŠ داخله ضغائن مكتومة تجاه الآخر، ويمارس ضده Ù�عل الإقصاء والعمل Ù�ÙŠ الخÙ�اء. Ù�إذا عبر أحدهم عن رأي أو نقد تجاه الحركة او قيادتها، بدل أن يواجه بالحوار المسؤول، يشجع ظاهرياً، ثم تنقل أقواله سراً إلى القيادة، التي كثيراً ما تبادر إلى التصديق والإدانة دون تحقق أو مساءلة، ويجري كل ذلك بأساليب وضيعة، غايتها نيل ود القيادة وثقتها، دون أدنى اعتبار لقيم الرÙ�قة أو لمعنى “الرÙ�يق قبل الطريق”.

وقد قال لي رئيس الحركة، Ù�ÙŠ إحدى مناقشاتي معه، حرÙ�ياً “الرÙ�اق ديل ما بقبلوا يشتغلوا مع بعض، وأنا قاعد Ø£Ù�كر أستغنى منهم”ØŒ وكان ردي حينها واضحاً .. “إن الاستغناء يا السيد الرئيس، لا يمكن أن يكون حلاً، بل الحل يكمن Ù�ÙŠ عقد اجتماع شامل للمواجهة والمكاشÙ�ة، دون أي مجاملة لأي رÙ�يق، حيث لا يقال إلا ما يجب أن يقال، ولا يصح إلا الصحيح. ولا تزال تلك الرسالة محÙ�وظة لدي بوصÙ�ها شهادة على لحظة كان يمكن Ù�يها تصحيح المسار .. لكنها Ø£Ù�هدرت.

وبالتوازي مع هذا الت�كك الداخلي، تعمقت العلاقة الملتبسة بين الحركة والسلطة العسكرية القائمة. �بدل أن تحا�ظ الحركة على مسا�ة نقدية واضحة من سلطة الحرب، انجر�ت تدريجياً �ي بداية النزاع إلى موقع رمادي، لا معارضة صريحة، ولا استقلال صادق، ومع تعيين رئيسها نائباً لرئيس مجلس السيادة، انحازت الحركة بالكامل إلى جانب الجيش �ي الحرب والقتال، �ي خطوة تتناقض بشكل واضح مع ما أعلن مالك عقار �ي خطاب قبوله المنصب، حيث التزم بموق� متوازن، وتم تجاهله لاحقاً تماماً، حتى أصبح حرص الحركة على الحرب أحياناً ي�وق حرص الجيش ن�سه، بل إن بعض الر�اق ارتدوا الزي العسكري للجيش تأكيداً لهذا الانحياز، �ي م�ارقة أخلاقية وتاريخية مؤس�ة، إذ إن بعضهم لم يرتد يوماً زي الجيش الشعبي الذي حارب ذات المؤسسة العسكرية التي يتحال� معها اليوم، وهذا الموق� من منظور الأمانة التاريخية والسياسية، لا يخدم سوى المؤسسة العسكرية السودانية، التي أشعلت كا�ة الحروب السودانية وكونت المليشيات، بما �ي ذلك الدعم السريع، وارتكبت أبشع الجرائم ضد الشعب السوداني، لا سيما �ي النيل الأزرق وجبال النوبة. وقد وظ�ت هذه المؤسسة الحركة الشعبية لتجميل صورتها وتوسيع دائرة شرعنتها السياسية، من دون أن تقدم أي التزام حقيقي تجاه إنهاء الحرب أو د�ع مسار التحول الديمقراطي.

لقد جرى تبرير هذا التموضع بحجج مثل “التأثير من الداخل” Ùˆ”تنÙ�يذ اتÙ�اقية السلام”ØŒ غير أن الواقع أثبت أن التأثير كان أحادي الاتجاه، وأن الحرب لم تÙ�سح مجالاً لتنÙ�يذ اتÙ�اقية السلام، وما تم تنÙ�يذه Ù�ÙŠ الواقع لم يكن سوى تقديم اÙ�راد الجيش الشعبي كقرابين للجيش السوداني، والتضحية بأرواح عناصره تحت ذرائع الترتيبات الأمنية ودمجهم Ù�ÙŠ القوات المسلحة، بل حتى عملية الدمج Ù†Ù�سها تمت بشكل يخالÙ� الأسس والخطوات المنصوص عليها Ù�ÙŠ بروتوكول الترتيبات الأمنية. Ù�عقلية السلطة العسكرية القديمة لم تتغير ابداً، لكن الحركة هي التي تغيرت .. لغتها، وسقÙ�ها، وحدودها، ومع كل خطوة تقارب، تراجعت قدرتها على النقد، وتقلص هامش استقلالها، إلى أن باتت جزءاً من مشهد الحرب، لا قوة تسعى لإيقاÙ�ه، وقد انعكس هذا التموضع مباشرة على العضوية، التي وجدت Ù†Ù�سها منذ بداية الحرب Ù�ÙŠ مواجهة أسئلة قاسية من محيطها الاجتماعي والسياسي .. أين تقÙ� الحركة؟ ما موقÙ�ها الحقيقي من الحرب؟ ولماذا يبدو خطابها ملتبساً، وممارستها أقرب إلى التماهي مع السلطة منها إلى تمثيل تطلعات المهمشين؟ .. وهي أسئلة لم تجد إجابات واضحة، لأن الحقيقة Ù†Ù�سها غابت عن غرÙ� القرار، تاركة العضوية Ù�ÙŠ حالة من الارتباك والتردد السياسي العميق، باستثناء أولئك الذين وجدوا مصلحتهم Ù�ÙŠ الحرب، والذين كشÙ�وا عن حقيقتهم المتناقضة مع مشروع ورؤية السودان الجديد، وظلوا يخÙ�ونها طوال الÙ�ترة السابقة.

وهكذا، تضرر التنظيم على مستويين متلازمين .. داخلياً، من خلال ت�كك العلاقة بين القيادة والعضوية، وخارجياً، عبر �قدان المصداقية السياسية والأخلاقية. �الحركات لا تقاس بما تقول �حسب، بل بما تر�ضه وبالخطوط الحمراء التي ترسمها لن�سها، وحين تضيع هذه الخطوط، تضيع معها الهوية، وت�قد الحركة روحها وأساسها السياسي الذي يميزها عن مجرد مؤسسة إنتهازية أو شبكات ولاءات. إن أخطر ما �ي هذا المسار لا يقتصر على ما ألحقه بالحركة الشعبية اليوم، بل يمتد ليبعث برسالة مدمرة إلى جيل كامل من الشباب .. أن السياسة لا تكا�ئ المبدئية، وأن التنظيمات الثورية يمكن أن تتحول إلى نسخ مشوهة أكثر مما ثارت ضده، وهي رسالة لا تقل خطورة عن القمع المباشر، لأنها تقتل الأمل من الداخل، وتزرع اليأس �ي روح من كان يعتقد أن النضال والمبادئ يمكن أن تصنع �رقاً حقيقياً.

نواصل ..

محمد عبدالله ابراهيم

mohammedabdalluh2000@gmail.com

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours