أ�ريقيا �ي مهب التحولات: الانقلابات والصراعات وخيارات الاستجابة

Estimated read time 1 min read

تشهد القارة الأ�ريقية منذ عام 2020 موجة غير مسبوقة من عدم الاستقرار العميق، بما �ي ذلك الانقلابات العسكرية والصراعات المسلحة التي اجتاحت عدداً من الدول المحورية، وتعكس هذه الأحداث أزمة بنيوية وهيكلية �ي أنماط الحكم، و�ي الوقت ذاته تكش� عن تحولات محورية �ي المشهدين الجيوسياسي والأمني للقارة، إلى جانب تصاعد التنا�س الدولي الذي يتخذ من الجغرا�يا الأ�ريقية مسرحاً م�توحاً له. ولم تعد هذه التطورات محصورة �ي إطار أزمات داخلية ناجمة عن ضع� الدولة أو إخ�اق النخب الحاكمة، بل أصبحت جزءًا من معادلة جيوسياسية أوسع، ي�عاد �يها رسم موازين القوى العالمية �ي ظل الصراع الدولي للتحول من القطبية الأحادية إلى عالم متعدد الأقطاب.

 Ø£Ø¯Øª هذه الديناميات إلى تحول عدد من دول Ø¥Ù�ريقيا، لا سيما Ù�ÙŠ منطقة الساحل وغرب Ø¥Ù�ريقيا والقرن الإÙ�ريقي، إلى ساحات صراع معقدة تتداخل Ù�يها النزاعات المحلية مع التناÙ�س الدولي على النÙ�وذ والموارد والممرات الاستراتيجية. وقد أسÙ�ر ذلك عن تداعيات خطيرة، أبرزها ترسيخ الحكم العسكري، وتآكل أطر التكامل الإقليمي، وتصاعد الأزمات الإنسانية، وتراجع Ù�اعلية آليات منع النزاعات وحÙ�ظ السلام.

منذ أغسطس 2020، دخلت إ�ريقيا مرحلة غير مسبوقة من عدم الاستقرار السياسي، حيث اجتاحت الانقلابات العسكرية دولاً مثل مالي، غينيا، السودان، بوركينا �اسو، النيجر، والغابون، مع محاولات مت�رقة للتدخل العسكري �ي دول أخرى. ولم تعد هذه التحولات غير الدستورية حكراً على دول الساحل المعتادة على الانقلابات والتغييرات غير الدستورية، بل امتدت لتطال دولاً جديدة، ما يكش� أن جذور الأزمة وأسباب عدم الاستقرار لم تعالج، بل ت�اقمت مع تصاعد النزاعات المسلحة المستمرة.

 Ø¨ÙŠÙ†Ù…ا كان العالم يترقب عودة الاستقرار، استمرت “حمى الانقلابات” Ù�ÙŠ الانتشار، وتوسعت رقعة الصراعات المسلحة إلى الحد الذي جعل Ø¥Ù�ريقيا تحتضن نحو 40% من النزاعات النشطة على مستوى العالم، وتواجه أكبر أزمة نزوح عالمي تقدر بحوالي 35 مليون نازح، ويتزامن ذلك مع تراجع الدعم الدولي، وانهيار عمليات Ø­Ù�ظ السلام، وتداخل الأزمات الإقليمية مع الصراعات العالمية. Ù�ÙŠ الوقت ذاته، تكشÙ� هذه الديناميات هشاشة الأنظمة السياسية، وتسليط الضوء على تداعيات إنسانية كارثية، وتحولات جيوسياسية عميقة تجعل القارة جزءاً محورياً من الصراع العالمي، التي تسعى إلى إعادة رسم خريطة Ø¥Ù�ريقيا السياسية والأمنية.

تعد اللحظة الأكثر إثارة للقلق Ù�ÙŠ نوÙ�مبر 2025ØŒ حين شهدت غينيا بيساو انقلاباً عسكرياً Ù…Ù�اجئاً تزامن مع المراحل النهائية للانتخابات العامة، علامة على هشاشة الأنظمة السياسية Ù�ÙŠ غرب Ø£Ù�ريقيا. لم يكن التوقيت محض صدÙ�ة، بل يعكس نمطاً متكرراً حيث تتحرك المؤسسة العسكرية عندما تÙ�شل النخب المدنية Ù�ÙŠ إدارة العملية الديمقراطية بشÙ�اÙ�ية، أو تظهر شبهات حول نزاهة الانتخابات، مستغلة الطموحات الشخصية والمصالح المخÙ�ية، لتتحول إلى ما يمكن وصÙ�Ù‡ بـ”الملاذ الأخير” للحÙ�اظ على مصالحها، رغم أن الغالبية العظمى من جيوش القارة تظل، من الناحية النظرية خاضعة للنظام القائم وتعمل لحمايته.

�ي المقابل، قدمت بنين، التي طالما اعتبرت نموذجاً للاستقرار النسبي، درساً مختل�اً �ي ديسمبر 2025، حين أ�حبطت محاولة انقلابية بسرعة و�اعلية، نتيجة تضا�ر الجهود الداخلية والدعم الإقليمي ال�وري. �قد تدخلت قوات من نيجيريا وكوت دي�وار لدعم الحكومة الشرعية، ما أعطى رسالة واضحة حول قدرة آليات الردع الإقليمية على مواجهة الانقلابات العسكرية.

يشير هذا التباين بين غينيا بيساو وبنين إلى حقيقة مهمة .. بينما لا تزال بعض الدول تراوح بين هشاشة مؤسساتها واند�اع الجيش نحو السلطة، هناك نماذج قادرة على استعادة الاستقرار إذا تو�رت الإرادة الداخلية والتنسيق الإقليمي ال�عال، ويبدو أن المجموعة الاقتصادية لدول غرب أ�ريقيا (إيكواس) بدأت �ي استعادة جزء من مصداقيتها الم�قودة، لتؤكد أن استعادة ضبط النظام المدني �ي القارة الأ�ريقية، رغم الصعوبات، ما تزال ممكنة، إذا ما تو�رت سياسات وقائية واضحة وآليات �عالة للردع والمساءلة.

�ي سياق متصل، واصلت الأنظمة العسكرية �ي أ�ريقيا ترسيخ قبضتها على السلطة، متجاوزة كل الالتزامات الانتقالية والدستورية. ��ي تشاد، أعلن المجلس العسكري �ي مارس 2025 تمديد ال�ترة الانتقالية لخمس سنوات إضا�ية، �ي قرار أجهض أي أمل بعودة قريبة للحكم المدني، مؤكداً أن السلطة بيد الجيش وحده. أما �ي السودان، �قد واصل المكون العسكري �ي مجلس السيادة الانتقالي، الذي ينظر إليه على أنه امتداد مباشر للنظام العسكري السابق للرئيس المخلوع عمر البشير، تعزيز سيطرته بعد الانقلاب على الحكومة المدنية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، مستغلاً الانقسامات الداخلية بين القوى المدنية لتثبيت موقعه. وأس�ر هذا الانقلاب عن تعقيد الأزمة السودانية، ليصل �ي النهاية إلى اندلاع حرب شاملة منذ 15 أبريل 2023، وما تزال مستمرة حتى اليوم.

هذا المسار يعكس نمطاً متكرراً Ù�ÙŠ التجارب الأÙ�ريقية، لا سيما ان القادة العسكريون الذين يسيطرون على الحكم يجدون صعوبة بالغة Ù�ÙŠ التخلي عنه، وغالباً ما يبررون استمرار قبضتهم على السلطة بمسوغات شكلية مثل “استكمال الإصلاحات الأمنية والسياسية”ØŒ بينما يستمر الواقع Ù�ÙŠ تثبيت هيمنة المؤسسات العسكرية على القرار الوطني، ويؤجل أي Ø£Ù�Ù‚ حقيقي للتحول الديمقراطي، وتكشÙ� هذه الممارسات عن هشاشة المسارات الانتقالية، وتسلط الضوء على الحاجة الملحة لمقاربة إقليمية ودولية جادة لوقÙ� الاستحواذ العسكري على السلطة وإعادة تأهيل المؤسسات المدنية الديمقراطية.

صراعات مستمرة .. أزمة إنسانية وجيوسياسية

إذا كانت الانقلابات تمثل أزمة سياسية، �إن الصراعات المسلحة تشكل كارثة إنسانية وجيوسياسية مت�اقمة، وتعد التحدي الأكبر للاستقرار الإقليمي، و�ي ظل هذه الديناميات، تشهد عدة دول أ�ريقية تدهوراً غير مسبوق �ي الأوضاع الإنسانية نتيجة الحروب والنزاعات المستمرة، وتبرز �ي هذا السياق حالات بارزة تستحق الوقو� عندها، منها:

السودان .. حرب وأزمة إنسانية كارثية

�منذ 15 أبريل 2023، يغرق السودان �ي حرب مدمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، وقد أدى اتساع رقعة النزاع إلى ت�اقم الأزمة الإنسانية، مع نزوح الملايين، وتدمير البنية التحتية، وارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين. هذا الصراع لا يهدد وحدة السودان �حسب، بل يزعزع استقرار منطقة القرن الأ�ريقي بأكملها، وي�رض تحديات جسيمة على الجهود الدولية الرامية لإيقا� الحرب وحماية المدنيين.

منطقة الساحل .. ساحة الإرهاب والتنا�س الدولي

�ي منطقة الساحل، تواصل الجماعات الإرهابية تهديد الأمن، ما أبقى المنطقة �ي حالة توتر شبه دائم، وقد د�ع هذا الوضع القوى الدولية إلى إعادة تقييم تموضعها، حيث أشارت تقارير إلى إعادة انتشار القوات الأمريكية �ي المنطقة، ليس �قط لمكا�حة الإرهاب، بل أيضاً ضمن سياق التنا�س على الثروات المعدنية والموارد الاستراتيجية، ويغذي هذا التنا�س الجيوسياسي الصراع المحلي ويطيل أمده، إذ تتحول الأزمات إلى أوراق ضغط �ي لعبة القوى العظمى، بالتوازي مع تراجع جهود الإغاثة الدولية وانهيار عمليات ح�ظ السلام.

الكاميرون .. استقرار هش

رغم تصني�ها كدولة مستقرة نسبياً، شهدت الكاميرون اضطرابات واسعة �ي نو�مبر 2025 عقب إعادة انتخاب الرئيس بول بيا، ما كش� هشاشة الاستقرار السياسي �ي وسط أ�ريقيا، وتشير هذه الأحداث إلى أن �ترات الحكم الطويلة، حتى وإن بدت مستقرة ظاهرياً، غالباً ما تخ�ي توترات عميقة، قابلة للان�جار �ي أي لحظة، مما يسلط الضوء على هشاشة المؤسسات وصعوبة احتواء الصراعات الداخلية قبل أن تتحول إلى أزمات شاملة.

الكونغو الديمقراطية .. صراعات متجددة رغم مساعي السلام

�ي شرق الكونغو الديمقراطية، تستمر أعمال العن� بين الجماعات المتمردة والقوات الحكومية، ما أدى إلى نزوح واسع ومآسي إنسانية مت�اقمة للمدنيين، وعلى الرغم من هذه الظرو�، شهدت البلاد مؤخراً مساعي دولية وإقليمية لاحتواء الأزمة، كان أبرزها توقيع ات�اقية سلام �ي الولايات المتحدة برعاية قطرية وأمريكية، وبحضور الرئيس الكنغولي والرئيس الرواندي وقادة المعارضة المسلحة وعدد من الوسطاء الإقليميين والدوليين. إلا أن الواقع على الأرض يظل معقداً، إذ تشير التقارير إلى استمرار المواجهات �ي مناطق عدة، وت�اقم موجات النزوح، ما يكش� هشاشة تن�يذ الات�اقيات الدولية ويبرز محدودية قدرة الدولة على �رض الأمن وحماية المدنيين، وتتداخل هذه الصراعات مع مصالح اقتصادية واستراتيجية، حيث تسيطر الشبكات المسلحة على مناطق غنية بالمعادن، ما يعقد جهود السلام ويحول المنطقة إلى ساحة دائمة للتنا�س الإقليمي والدولي على الموارد، ويؤكد هذا الواقع أن الأزمة الإنسانية �ي الكونغو ليست مجرد انعكاس لصراع محلي، بل جزء لا يتجزأ من المشهد الجيوسياسي الأ�ريقي الأوسع.

الأسباب الجذرية والبيئة التمكينية

تتمثل الإشكالية الجوهرية للصراعات �ي أ�ريقيا �ي تداخل ثلاثة مستويات مترابطة:

  1. العوامل الداخلية .. أزمة الحكم والدولة

تشكل الانقلابات انعكاساً مباشراً لما يعرÙ� بـ”أزمة الدولة”. Ù�انتشار الÙ�ساد والمحسوبية أدى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ما ولد استياءً شعبياً واسعاً من النخب الحاكمة. كما أسهم التلاعب بالدساتير ومحاولات تمديد Ù�ترات الحكم Ù�ÙŠ تقويض الديمقراطية وإغلاق مسارات التغيير السلمي، ÙˆÙ�قدان الحكومات المدنية لشرعيتها، وإلى جانب ذلك، كشÙ� الÙ�شل الأمني Ù�ÙŠ مواجهة التهديدات الإرهابية هشاشة الدولة وأضعÙ� ثقة المواطنين، ما ÙˆÙ�ر مبرراً أساسياً لتدخل الجيش Ù�ÙŠ السياسة.

  • العوامل الإقليمية .. هشاشة الأطر والمؤسسات

تلعب الأطر الإقليمية وضع� آليات التكامل ومنع النزاعات دوراً محورياً �ي استمرار الأزمات الأ�ريقية. �ضع� قدرة الاتحاد الأ�ريقي والتكتلات الإقليمية على ضبط الانقلابات والتدخل المبكر يترك الدول عرضة للتمدد العسكري، بينما تؤدي النزاعات المحلية المتكررة إلى تآكل الثقة �ي المؤسسات الإقليمية وتقلل من �اعلية آليات ح�ظ السلام. كما يساهم التنا�س الدولي والإقليمي على الن�وذ والموارد �ي إطالة أمد النزاعات، إذ تتحول الأزمات المحلية إلى أدوات �ي لعبة القوى الكبرى، ما يعقد الحلول ويؤخر استقرار المنطقة. وقد خلقت موجة الانقلابات المتتابعة بيئة إقليمية مواتية لاستمرار هذا الاتجاه، حيث يقلل نجاح انقلاب �ي دولة مجاورة من المخاطر المرتبطة بمحاولات مماثلة، ما يشجع العسكريين على المجاز�ة. و�ي الوقت ن�سه، �شل العقوبات الإقليمية، �ي ردع الأنظمة العسكرية، عزز ثقا�ة الإ�لات من العقاب، بينما ساهم تصاعد الإرهاب والنزاعات المسلحة، خصوصاً �ي الساحل والقرن الأ�ريقي، �ي تعقيد المشهد الإقليمي وجعل الدول عرضة لتأثيرات متبادلة تزيد من هشاشة استقرارها السياسي والأمني.

  • العوامل الدولية .. مناÙ�سة القوى الكبرى واستغلال الأزمات

 ØªØªØ¯Ø§Ø®Ù„ الصراعات المحلية Ù�ÙŠ Ø£Ù�ريقيا مع مصالح القوى الدولية، إذ تنظر القارة كمسرح Ù…Ù�توح للتناÙ�س على الموارد الاستراتيجية والممرات الجغراÙ�ية الحيوية، وكثيراً ما تستغل الأنظمة العسكرية هذا التناÙ�س لتعزيز قبضتها على السلطة، مستÙ�يدة من دعم أو صمت القوى الكبرى، ما يطيل أمد النزاعات ويعقد Ù�رص الحلول السلمية. إضاÙ�Ø© إلى ذلك، يؤدي غياب مواءمة الدعم الدولي مع معايير حقوق الإنسان والحكم الديمقراطي، وتراجع الالتزام بعمليات Ø­Ù�ظ السلام، إلى زيادة هشاشة القارة أمام الأزمات الإنسانية والجيوسياسية، ويسهم بشكل مباشر Ù�ÙŠ انتشار ظاهرة الانقلابات العسكرية المتتابعة.

التحول الجيوسياسي والمشاعر المناهضة للخارج

شكلت المشاعر المناهضة للقوى الأجنبية، وخصوصاً Ù�رنسا، بيئة ملائمة لدعم الانقلابات. Ù�قد استغل تراجع النÙ�وذ الÙ�رنسي، وارتباط بعض الحكومات المدنية به، كذريعة لتبرير الانقلابات واعتبارها “تحريراً ثانياً”. كما دÙ�عت هذه التحولات الأنظمة العسكرية الجديدة للبحث عن شركاء بديلين، على رأسهم روسيا، التي عززت Ù†Ù�وذها عبر تقديم دعم أمني غير مشروط بمبادئ الديمقراطية أو الحكم الرشيد. هذا التداخل بين الانقلابات المحلية والتناÙ�س الدولي يطيل أمد الأزمات ويقلّص Ù�رص الحلول المستدامة، ويحول الانقلابات من أحداث استثنائية إلى نمط متكرر، ما يضعÙ� قدرة الأطر الإقليمية على الردع والحÙ�اظ على الاستقرار.

التداعيات الجيوسياسية الإقليمية والدولية

أعادت موجة الانقلابات الأخيرة رسم الخريطة الجيوسياسية �ي غرب أ�ريقيا، خصوصاً مع بروز تحال� دول الساحل (AES) الذي يضم مالي وبوركينا �اسو والنيجر، وتحوله لاحقاً إلى كون�درالية، و�ي خطوة م�اجئة، أعلنت دول التحال� انسحابها من إيكواس �ي يناير 2024، ما شكل ضربة قوية لمصداقية التكامل الإقليمي وهدد بت�كيك المنظومة الاقتصادية والأمنية لغرب أ�ريقيا.

وعلى الصعيد الدولي، تصاعد التناÙ�س بين القوى الكبرى، حيث برزت روسيا كشريك أمني Ù…Ù�ضل للأنظمة العسكرية، Ù�ÙŠ حين اتخذ الغرب موقÙ�اً حذراً يجمع بين الإدانة والحÙ�اظ على قنوات الاتصال، ولم تعد Ø£Ù�ريقيا مجرد ساحة هامشية، بل أصبحت انعكاساً مباشراً للصراع بين القوي العظمى، وقد استغلت الأنظمة العسكرية هذا التناÙ�س الدولي لتعزيز استقلاليتها عن الغرب والبحث عن بدائل، مما منحها هامشاً واسعاً للمناورة وأطال أمد بقائها Ù�ÙŠ السلطة، Ù�ÙŠ سياق يذكر بملامح “حرب باردة جديدة”.

أ�ريقيا بين م�ترق الخطر وإمكان الأمل

تقÙ� القارة الأÙ�ريقية اليوم عند Ù…Ù�ترق طرق. Ù�من جهة، يواصل Ù�شل الدولة وأزمة الحكم Ù�تح المجال أمام التدخل العسكري والانقلابات، ومن جهة أخرى، تظهر بوادر مقاومة إقليمية، كما Ù�ÙŠ بنين، تعيد الأمل Ù�ÙŠ إمكانية استعادة زمام المبادرة الوطنية. وبين من يعتبر الانقلابات تعبيراً عن “سيادة جديدة”ØŒ ومن يراها إعادة إنتاج لدورات الحكم العسكري التي تعيق التنمية، يبقى التحدي الأكبر متمثلاً Ù�ÙŠ ضمان الأمن، والشرعية، والانتقال السياسي، وتعزيز التكامل الإقليمي. تكشÙ� موجة الانقلابات والصراعات Ù�ÙŠ Ø£Ù�ريقيا عن ظاهرة متشابكة لا يمكن Ù�صلها عن أبعاد الÙ�شل الداخلي، وعن أزمة تتجاوز حدود الدول الوطنية لتتقاطع مع تحولات عميقة Ù�ÙŠ بنية النظام الدولي، لا سيما ان الاستمرار Ù�ÙŠ التعامل مع هذه الظاهرة بوصÙ�ها مجرد قضية أمنية أو نزاع داخلي سيؤدي إلى مزيد من التدهور، وما لم تعالج الأسباب الجذرية للÙ�ساد وسوء الحكم، وتحيد القارة عن صراعات القوى الكبرى، ستظل Ø£Ù�ريقيا عرضة لأن تتحول إلى بؤرة صراع عالمي، مع ما يحمله ذلك من كلÙ�Ø© إنسانية وسياسية باهظة على شعوبها وعلى الاستقرار الدولي ككل.

الخلاصة: مستقبل أ�ريقيا بين التحدي والأمل

إن بناء مستقبل� أ�ضل لأ�ريقيا وشعوبها يقتضي الجمع بين تحقيق الاستقرار الأمني على المدى القصير، وإنجاز التحول الديمقراطي المستدام على المديين المتوسط والطويل، مع مراعاة التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها القارة والعالم. ويتطلب ذلك تبنّي حزمة متكاملة من الإجراءات على عدة مستويات، من بينها:

أولاً: على مستوى الاتحاد الأ�ريقي والتكتلات الإقليمية

تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة بناء مصداقية آليات منع الانقلابات، وذلك من خلال ت�عيل الدور الحقيقي لمجلس السلم والأمن الأ�ريقي، وربط آليات التدخل المبكر بمؤشرات واضحة لانهيار الحكم المدني. كما يتعين الانتقال من سياسة العقوبات العامة وغير ال�عالة إلى عقوبات ذكية وموجهة تستهد� القيادات العسكرية والشبكات الاقتصادية التي تدعمها، دون إلحاق الضرر بالمجتمعات المحلية، و�ي السياق ذاته، ينبغي ربط أي اعترا� أو تعامل مع الأنظمة العسكرية بجداول زمنية ملزمة للانتقال إلى الحكم المدني، تتضمن مراحل واضحة وآليات إشرا� إقليمي �عالة. إضا�ة إلى ذلك يصبح من الضروري دعم مبادرات الوساطة الإقليمية والبعثات السياسية الوقائية، بدلاً من الاكت�اء بأدوات الردع المتأخرة التي غالباً ما تأتي بعد �وات الأوان.

ثانياً: على مستوى الحكومات الأ�ريقية

تقتضي مواجهة الأزمات البنيوية �ي القارة إطلاق إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية تعالج جذور السخط الشعبي، و�ي مقدمتها ال�ساد المستشري، وارت�اع معدلات البطالة، وتدهور الخدمات الأساسية. كما يتطلب الأمر تحصين الدساتير ضد التلاعب السياسي، وضمان استقلال القضاء والمؤسسات الانتخابية بوص�ها ركائز أساسية لأي مسار ديمقراطي. و�ي الإطار ذاته تصبح إعادة هيكلة القطاعين العسكري والأمني أولوية قصوى، عبر برامج إصلاح أمني (SSR) شاملة تخضع لرقابة مدنية وبرلمانية �عالة، بما يضمن إخضاع السلاح للسلطة المدنية المنتخبة. وإلى جانب ذلك لا بد من �تح قنوات حوار وطني شامل مع القوى السياسية والمجتمعية المختل�ة، بهد� تجديد العقد الاجتماعي على أسس أكثر عدالة وشمولاً واستدامة.

ثالثاً: على مستوى الشركاء الدوليين

يتطلب الدور الدولي ال�اعل الانتقال من سياسات رد ال�عل الآنية إلى مقاربات وقائية طويلة الأمد، تركز على بناء المؤسسات وتعزيز صمود الدول، بدلاً من الاكت�اء بإدارة الأزمات بعد ان�جارها. كما يقتضي ذلك مواءمة أي دعم أمني أو عسكري مع معايير حقوق الإنسان والحكم الديمقراطي، وربطه بمؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس، تضمن عدم تحول هذا الدعم إلى أداة لإعادة إنتاج الاستبداد. و�ي السياق ذاته تبرز أهمية زيادة التمويل الإنساني ودعم عمليات ح�ظ السلام ومنع انهيارها �ي مناطق النزاع الهشة، إلى جانب تنسيق المواق� الدولية وتوحيد الرسائل السياسية، بما يحد من قدرة الأنظمة العسكرية على استغلال التنا�س بين القوى الكبرى لإطالة أمد الأزمات وتعقيد �رص الحل.

 Ø±Ø§Ø¨Ø¹Ø§Ù‹: على مستوى المجتمع المدني والإعلام

يجب دعم منظمات المجتمع المدني والإعلام المستقل باعتبارهما أدوات أساسية للإنذار المبكر والمساءلة العامة. كما ينبغي حماية ال�ضاء المدني من القيود القانونية والأمنية التي ت�رضها الأنظمة العسكرية، وتمكين ال�اعلين المحليين، لا سيما النساء والشباب، للقيام بدور محوري �ي جهود بناء السلام وتعزيز الثقة المجتمعية، ويشمل ذلك تعزيز قدراتهم على المشاركة ال�اعلة �ي صياغة السياسات واتخاذ القرارات، بما يضمن دمج المجتمع المدني كركيزة أساسية للاستقرار والتحول الديمقراطي.

محمد عبدالله إبراهيم

mohammedabdalluh2000@gmail.com

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours