السودان بين ال�وضى والتحول: ما يجب على المجتمع الإقليمي والدولي والمجتمع المدني السوداني �عله لإنهاء الأزمة (2-2)

Estimated read time 1 min read

إن وضع حد للأزمة السودانية يتطلب تحولاً جذرياً �ي مقاربة المجتمع الدولي والقوى المدنية السودانية على حد سواء. ولتحقيق هذا الهد�، لا يك�ي مجرد إعلان الرغبة �ي السلام، بل يجب أن تتجسد الإرادة الدولية والإقليمية �ي خطوات واضحة ومتكاملة، تترجم الالتزام العالمي بالسلام إلى أ�عال ملموسة تنهي الحرب �وراً، وتضع حداً لل�وضى السياسية والدبلوماسية التي أعاقت كل المبادرات السابقة. �السلام ليس خياراً نظرياً، بل ضرورة عملية ملحة، ونجاح أي مسار مستقبلي يعتمد على التزام الجميع بتن�يذ الخطوات التالية:

أولاً: توحيد الإرادة والرؤية .. نقطة البداية الم�صلية لإنهاء الأزمة

قبل الخوض �ي أي مقاربة سياسية أو أمنية أو إنسانية، يظل السؤال الجوهري الذي يتجنب المجتمعان الإقليمي والدولي مواجهته بوضوح هو لماذا �شلت كل محاولات إنهاء الأزمة السودانية حتى الآن؟

الإجابة، بعيداً عن الخطاب الدبلوماسي المهادن، تكمن �ي �وضى المبادرات، وتعدد المسارات، وغياب الإرادة الجماعية الموحدة. �قد تحولت المبادرات الإقليمية والدولية من أدوات للحل إلى عبء سياسي، أسهم �ي تشتيت الجهود، وإضعا� الضغط، ومنح أطرا� الصراع هامشاً واسعاً للمناورة، والمراوغة، وت�ريغ أي التزام من مضمونه.

لقد أتاح هذا التشتت للأطرا� المتحاربة استثمار التناقضات بين الوسطاء، واللعب على تعدد المنابر، والانتقال من طاولة إلى أخرى دون ثمن سياسي أو أخلاقي، ما أدى عملياً إلى إطالة أمد الحرب، وتعميق الكارثة الإنسانية، وتقويض ثقة السودانيين �ي جدية المجتمع الدولي، ومن هنا �إن الخطوة الأولى والأكثر اهمية، والتي ينبغي على المجتمعين الإقليمي والدولي اتخاذها لا تبدأ ببيانات الإدانة ولا بجولات ت�اوضية جديدة، بل بتصحيح الخلل البنيوي �ي مقاربة إدارة الأزمة ذاتها، وذلك عبر:

1. توحيد المبادرات والمسارات الت�اوضية

يقتضي الأمر عقد اجتماع إقليمي – دولي رÙ�يع المستوى، يضم كاÙ�Ø© الأطراÙ� الÙ�اعلة والمعنية بالأزمة السودانية، بهدÙ� تÙ�كيك حالة ازدواجية المسارات، ودمج المبادرات القائمة بما Ù�ÙŠ ذلك منبر جدة، ومبادرات الإيغاد، والآليات الرباعية، Ù�ÙŠ إطار سياسي واحد، واضح، وملزم. لا سيما إن الاتÙ�اق على مبادرة واحدة Ù�قط، تحظى بدعم سياسي كامل وغير منقوص، من شأنه أن ينهي حالة العبث التÙ�اوضي، ويغلق أبواب الالتÙ�اÙ�ØŒ ويعيد للعملية السياسية حدها الأدنى من الجدية والÙ�عالية. Ù�المسار الموحد لا يمنح Ù�قط التÙ�اوض قوة دÙ�ع حقيقية، بل يبعث رسالة واضحة للأطراÙ� المتحاربة Ù…Ù�ادها أن المجتمع الدولي لم يعد منصة Ù…Ù�توحة للمساومات، بل شريكاً حاسماً Ù�ÙŠ Ù�رض منطق إنهاء الحرب لا إدارتها.

2. صياغة رؤية مشتركة وبرنامج موحد .. من إدارة الأزمة إلى إنهائها

لا يك�ي أن يجتمع ال�اعلون الإقليميون والدوليون حول طاولة واحدة ما لم يكن الهد� هو إنتاج رؤية سياسية مشتركة وبرنامج عمل موحد، يتجاوز العموميات الدبلوماسية إلى التزامات واضحة وقابلة للتن�يذ. �جوهر الأزمة السودانية لا يكمن �قط �ي تعدد أطرا� الصراع، بل �ي غياب إطار جامع يحدد بوضوح كي�، وبأي أدوات، ولمصلحة من يراد إنهاء هذه الحرب. ويجب أن تشمل هذه الرؤية جميع أطرا� الصراع، إلى جانب القوى السياسية والمدنية الحقيقية، وأن تعكس إرادة صلبة لا لبس �يها لإنهاء الحرب، لا إدارتها أو احتوائها مؤقتاً، وهذا يقتضي ممارسة ضغط �علي ومنسق على جميع الأطرا� دون استثناء، ضغط لا يختزل �ي البيانات ولا ي�رغ بالمجاملات، بل يترجم إلى كل�ة سياسية واقتصادية حقيقية على من يعرقل مسار السلام.

الأخطر من ذلك أن استمرار تباين الرؤى والأجندات الدولية قد حول الدبلوماسية إلى رسائل متناقضة، حيث يلتقي كل مبعوث أو مسؤول دولي بأطرا� الصراع بخطاب مختل� وأولويات متباينة، ما يبعث بإشارات مربكة للقيادات العسكرية، ويمنحها الذريعة الكاملة للمماطلة، وكسب الوقت، وتقويض أي محاولة لبناء ضغط موحد و�عال، و�ي هذا السياق لا تعود الانقسامات الدولية عاملاً محايداً، بل تصبح جزءاً مباشراً من معادلة إطالة الحرب. لذلك، �إن توحيد الرؤية والبرنامج لا يمثل إجراءً شكلياً أو تر�اً سياسياً، بل يشكل الضمانة الأساسية لإنهاء ال�وضى الدبلوماسية التي أتاحت استمرار القتال، وت�اقم الانتهاكات، وانهيار الدولة. صحيح أن لبعض الدول مصالحها وحساباتها الخاصة، غير أن الحد الأدنى من الأخلاق السياسية والمسؤولية الإنسانية ي�رض ألا تدار هذه المصالح على حساب أرواح السودانيين، ولا على حساب وحدة السودان وأمنه واستقراره، ولا على حساب أمن واستقرار الإقليم بأسره.

ثانياً: خارطة طريق للعمل الجاد .. من النوايا المعلنة إلى الإجراءات الملزمة

ما إن تتوحد الإرادة وتتبلور الرؤية المشتركة، حتى يصبح الانتقال من مربع الخطاب إلى حيز ال�عل ضرورة سياسية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل. �الأزمة السودانية لم تعد تعاني من نقص �ي المبادرات أو التصورات، بقدر ما تعاني من غياب الإجراءات الصارمة والملزمة التي تجبر أطرا� الصراع على تغيير سلوكها، ومن هنا �إن أي حديث عن تسوية دون أدوات تن�يذ حقيقية سيظل مجرد إعادة إنتاج ل�شل سابق، و�ي هذا السياق تبرز جملة من الإجراءات التي يتعين على المجتمعين الإقليمي والدولي الالتزام بها بجدية كاملة، و�ي مقدمتها:

1. ممارسة ضغط سياسي حقيقي و�عال

يتوجب على الإرادة الإقليمية والدولية أن تتكامل لا أن تتوازى، وأن تتحول من موق� المراقب القلق إلى �اعل ضاغط يمارس تأثيراً مستمراً ومتصاعداً على جميع أطرا� الصراع، العسكريين منهم والمدنيين، دون استثناء أو انتقائية. �المطلوب ليس ضغطاً رمزيًا أو موسمياً، بل ضغط محدد الأهدا�، قابل للقياس، ومقترن بآليات مساءلة واضحة، بما لا يترك لأي طر� مساحة للهروب أو كسب الوقت عبر المناورة السياسية.

لقد أثبتت التجربة أن غياب الضغط المستدام شكل أحد الأسباب الجوهرية لاستمرار الحرب وت�كك أي مسار ت�اوضي سابق. �كلما تراجع الضغط، تمدد العن�، وكلما سادت الرسائل الرمادية، تعزز منطق القوة على حساب الحل السياسي، وعليه، �إن أي مبادرة لا تسند بضغط �علي ستظل مهددة بال�شل منذ لحظتها الأولى. إضا�ة إلى ذلك، تبرز مسؤولية خاصة على عاتق القوى الدولية الكبرى �ي بلورة سياسة واضحة، متسقة، وغير مزدوجة المعايير تجاه السودان، سياسة تهد� صراحة إلى إنهاء الحرب واستعادة المسار الديمقراطي، بدلًا من سياسات متناقضة أو براغماتية قصيرة النظر، قد تنتهي عن قصد أو غير قصد إلى دعم قوى معادية للديمقراطية، وتقويض �رص بناء دولة مدنية مستقرة. �التردد الدولي هنا لا يعني الحياد، بل يتحول �علياً إلى عامل من عوامل إدامة الصراع.

2. تج�ي� منابع الدعم المالي والعسكري .. ضرب البنية التحتية للحرب

لم تعد الحرب �ي السودان صراعاً داخلياً معزولاً، بل تحولت إلى مشروع ممول ومدار عبر شبكة معقدة من الدول والوسطاء وشبكات اقتصاد الحرب غير المشروع، تست�يد من استمرار العن� بقدر ما تغذيه. �جميع أطرا� الصراع، بدرجات مت�اوتة، تتلقى دعماً مباشراً أو غير مباشر من مصادر خارجية وشبكات اقتصادية عابرة للحدود، ما يجعل إنهاء الحرب مستحيلاً دون ت�كيك بنيتها التمويلية والعسكرية.

وعليه، �إن أي مقاربة جادة لإنهاء الصراع تقتضي الانتقال من الاكت�اء بإدانة العن� إلى استهدا� شرايينه الحيوية، وذلك عبر حزمة إجراءات صارمة، �ي مقدمتها �رض عقوبات دولية رادعة وموجهة على شبكات النهب المنظم، وتجارة الذهب غير المشروعة، التي تمثل اليوم أحد أهم مصادر تمويل الحرب للطر�ين. �عمليات استخراج وتهريب الذهب لم تعد نشاطاً اقتصادياً هامشياً، بل أصبحت اقتصاد حرب متكاملاً، يو�ر السيولة والسلاح والن�وذ، ويقوض أي مسار سياسي محتمل.

ويشمل ذلك تجميد الأصول المالية للقادة العسكريين، والكيانات والشركات الواجهة المرتبطة بهم، والمتورطة �ي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما يضع حداً لحالة الإ�لات الاقتصادي من العقاب التي مكنت أمراء الحرب من إعادة تدوير العن� بأرباح متزايدة. كما يتطلب الأمر �رض رقابة دولية صارمة وش�ا�ة على تد�قات الأسلحة والمعدات العسكرية إلى السودان، مع ت�عيل آليات تتبع �عالة، وعدم الاكت�اء بحظر اسمي قابل للالت�ا�.

والأهم من ذلك يجب ممارسة أقصى درجات الضغط السياسي والدبلوماسي على الدول التي تواصل صراحة أو ضمنياً تزويد أطرا� الصراع بالسلاح أو تسهيل وصوله، سواء بدا�ع المصالح الجيوسياسية أو الحسابات الاقتصادية الضيقة. �الدول التي تغذي آلة الحرب لا يمكن أن تصن� كوسطاء محايدين، بل تصبح، بحكم الواقع، أطرا�اً غير مباشرة �ي الصراع، تتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية عن استمرار الأعمال الوحشية والانهيار الشامل للدولة السودانية.

3. الاستجابة الإنسانية وحماية المدنيين .. من الإغاثة الطارئة إلى الواجب الدولي

ت�رض الكارثة الإنسانية غير المسبوقة �ي السودان اختباراً قاسياً لصدقية النظام الدولي، إذ لم تعد المأساة قابلة للاحتواء عبر نداءات إنسانية تقليدية أو استجابات مجتزأة. �حجم الانتهاكات واتساع رقعة النزوح والمجاعة يقتضي استجابة دولية عاجلة، شاملة، وموسعة، تدار باعتبارها أولوية سياسية وأمنية، لا مل�اً إنسانياً هامشياً يرحل مع كل جولة دبلوماسية.

ويبدأ ذلك بضمان الوصول الإنساني الآمن وغير المشروط إلى جميع المناطق المتضررة، عبر ممارسة ضغط �وري ومباشر على الأطرا� المتحاربة لوق� استخدام المساعدات كسلاح حرب، وضمان مرور الإغاثة دون عوائق أو ابتزاز أو تسييس. كما يتطلب الأمر إنشاء ممرات إنسانية آمنة ومستدامة، تخضع لرقابة دولية �عالة، بما يك�ل حماية العاملين �ي المجال الإنساني ووصول المساعدات إلى مستحقيها.

و�ي السياق ذاته، لا يمكن ال�صل بين العمل الإنساني ومبدأ حماية المدنيين، الذي ظل رغم مركزيته �ي القانون الدولي الإنساني، معطلاً على أرض الواقع، وعليه يصبح من الضروري ت�عيل هذا المبدأ عبر إنشاء آليات دولية مستقلة لرصد الانتهاكات الجسيمة، وتوثيقها، وحماية المدنيين من القتل الجماعي، والعن� الجنسي، والتجويع القسري، وغيرها من الجرائم التي باتت ترتكب �ي مناخ إ�لات شبه كامل من العقاب. �غياب آليات الحماية لا يعني الحياد، بل يترجم عملياً إلى ضوء أخضر لمواصلة الجرائم. إضا�ة إلى ذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى تقديم دعم مالي ولوجستي كبير ومستدام للاجئين السودانيين، وللدول المجاورة التي تستضي� ملايين ال�ارين من الحرب، وذلك لتخ�ي� العبء المتزايد على هذه الدول، ومنع تحول أزمة اللجوء إلى عامل زعزعة للاستقرار الإقليمي. �معاناة اللاجئين لا تقل قسوة عن معاناة النازحين داخلياً، بل قد تكون أشد وطأة �ي ظل تراجع التمويل الدولي، وتوق� كثير من برامج الدعم التي كانوا يعتمدون عليها للبقاء. إن تجاهل هذا البعد لا يهدد �قط كرامة اللاجئين وحقهم �ي الحماية، بل يهدد أيضاً أمن المنطقة بأسرها.

4. دعم البديل المدني الموحد .. شرط استدامة السلام لا ملحقه

لا يمكن لأي سلام أن يكون مستداماً Ù�ÙŠ السودان ما لم يستند إلى شريك مدني ديمقراطي قوي وموحد، قادر على ملء الÙ�راغ السياسي الذي خلÙ�ته الحرب، وكبح عودة العسكرة بأشكال جديدة. Ù�غياب هذا البديل لا يعني Ù�قط تعثر الانتقال، بل ÙŠÙ�تح الباب واسعاً أمام إعادة إنتاج الصراع تحت مسميات مختلÙ�ة، ومن هنا Ù�إن دعم القوى المدنية لا يجب أن يعامل كمجرد مسار موازي، بل كأحد أعمدة إنهاء الحرب وبناء الدولة، ÙˆÙ�ÙŠ هذا الإطار تقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية مباشرة Ù�ÙŠ الانتقال من خطاب “دعم المدنيين” إلى ممارسة Ù�علية وممنهجة، وذلك عبر مسارين متكاملين:

أولاً: الضغط من أجل توحيد الرؤى المدنية

يتعين على المبعوثين الدوليين والإقليميين توجيه رسالة سياسية واحدة، واضحة وغير قابلة للتأويل، إلى القوى المدنية السودانية، م�ادها أن شرط الشراكة والدعم هو التوا�ق على برنامج حد أدنى يتمحور حول وق� الحرب، واستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية وال�ئوية الضيقة. �التشظي المدني لم يعد مجرد أزمة داخلية، بل أصبح أحد العوامل التي تستثمر �يها القوى العسكرية لتبرير استمرار سيطرتها واحتكارها للمشهد السياسي.

ثانياً: دعم توحيد الص� المدني وبناء الجبهة المدنية الديمقراطية

يتطلب الأمر تقديم دعم سياسي ولوجستي مباشر للقوى الديمقراطية المدنية، لمساعدتها على تجاوز خلا�اتها التاريخية، وصياغة رؤية سياسية مشتركة لمرحلة ما بعد الحرب، و�ي هذا السياق، تكتسب اللقاءات الأخيرة للقوى المدنية المناهضة للحرب، التي انعقدت �ي العاصمة الكينية نيروبي واختتمت اليوم الثلاثاء 16 ديسمبر 2025، أهمية خاصة إذ طرحت بوضوح مسألة بناء أوسع جبهة مدنية لمناهضة الحرب، باعتبارها مدخلاً لا غنى عنه لاستعادة المبادرة السياسية من أيدي أمراء السلاح، وهذه الخطوة التي تمت الإشارة إليها �ي الجزء الأول من هذا المقال، تعد من بين أكثر التطورات السياسية أهمية �ي اللحظة الراهنة، �ي ظل الانهيار الشامل الذي يعيشه السودان والسودانيون. غير أن نجاحها لا يتوق� على إعلان النوايا أو توسيع القاعدة الشكلية للتحال�، بل يستلزم الاست�ادة النقدية من تجارب التحال�ات السابقة، التي انهارت غالباً بسبب غياب الأطر الحاكمة لإدارة الخلا�ات وتباين الرؤى.

وقبل الشروع �ي بناء جبهة مدنية واسعة، يصبح من الضروري وضع أسس تنظيمية وسياسية واضحة تحكم آليات اتخاذ القرار، وإدارة التباينات، وحل النزاعات الداخلية، بما يحصن التحال� من الانقسامات والتشرذم، ويمنحه القدرة على الاستمرار والتماسك. لا سيما ان أي جبهة بلا قواعد صلبة سرعان ما تتحول إلى عبء على مشروع التغيير، بدل أن تكون أداة �اعلة لإيقا� الحرب وتحقيق التحول المدني الديمقراطي المنشود.

خاتمة: من إدارة ال�وضى إلى صناعة لسلام

تؤكد التجربة السودانية، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الحرب لا تستمر Ù�قط بقوة السلاح، بل أيضاً بÙ�شل السياسة، وبالتواطؤ والتقاعس، وبإدارة الأزمة بدلاً من مواجهتها جذرياً. Ù�كل محور من المحاور السابقة “توحيد الإرادة والرؤية، ممارسة الضغط السياسي الÙ�عال، تجÙ�ÙŠÙ� مصادر التمويل والتسليح، حماية المدنيين، ودعم البديل المدني الموحد” لا يمثل مساراً منÙ�صلاً، بل يشكل معاً منظومة متكاملة، ينهار أي جهد لإنهاء الحرب بانهيار أحد أركانها.

 Ø¥Ù† استمرار المقاربة الدولية الحالية، القائمة على تعدد المنابر، وازدواجية الرسائل، وتجزئة الحلول، لن يقود إلا إلى إعادة تدوير الصراع بصيغ جديدة، تبقي السودان رهينة لعسكرة السياسة واقتصاد الحرب. Ù�غياب الرؤية الموحدة لا يمنح الأطراÙ� المتحاربة وقتاً إضاÙ�ياً Ù�حسب، بل ÙŠÙ�رغ أي حديث عن السلام من مضمونه، ويحول الدبلوماسية إلى غطاء لإطالة أمد المأساة، ولقد آن الأوان للمجتمع الدولي الانتقال من دور الوسيط المتردد إلى موقع الشريك الÙ�اعل الجاد، الذي يربط أقواله بأÙ�عاله، ووساطاته بأدوات ضغط حقيقية، ومساعداته الإنسانية بحماية Ù�علية للمدنيين، ودعمه السياسي بإسناد واضح للبديل المدني الديمقراطي. Ù�دون شريك مدني قوي وموحد، لن يكون السلام سوى هدنة هشة، سرعان ما تنÙ�جر عند أول اختبار.

�ي جوهر الأمر، لا تختبر الأزمة السودانية �قط قدرة السودانيين على الصمود، بل تختبر أيضاً صدقية النظام الدولي ن�سه .. هل هو مستعد للد�اع عن مبادئه المعلنة �ي الديمقراطية وحقوق الإنسان، أم سيواصل التضحية بها على مذبح المصالح الضيقة والحسابات قصيرة الأمد؟ إن الحياد �ي مواجهة حرب بهذا الحجم لم يعد خياراً أخلاقياً، كما أن التردد لم يعد موق�اً سياسياً، بل أصبح شكلاً من أشكال التواطؤ غير المعلن.

إن إنهاء الحرب �ي السودان ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب شجاعة سياسية، ووضوحاً أخلاقياً، وإرادة جماعية تكسر منطق إدارة ال�وضى، وتؤسس لمنطق صناعة السلام، وما لم يحدث هذا التحول الجذري، ستستمر الحرب، ليس لأنها حتمية، بل لأن العالم اختار مرة أخرى أن يغض الطر�، �ت�تح الأبواب أمام ت�كك السودان، ويهدد أمن واستقرار الإقليم بأسره، وستظل المأساة وصمة �ي سجل النظام الدولي لعقود قادمة.

محمد عبدالله إبراهيم

مدا�ع عن حقوق الانسان

mohammedabdalluh2000@gmail.com

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours