سكرتير سياسي ضابط أمن .. مأزق حركة سقطت �ي متاهات العسكر (4-10)

Estimated read time 1 min read

سكرتير سياسي ضابط أمن .. مأزق حركة سقطت �ي متاهات العسكر (4-10)

لا يمكن Ù�صل ما يحدث داخل الحركة الشعبية – قيادة عقار عن المشهد السوداني الأوسع، حيث هيمنت البزة على الدولة، وعلى الأحزاب، وعلى الاقتصاد، وحتى على اللغة. Ù�السكرتير السياسي ليس سوى نسخة مصغرة من نموذج أكبر .. نموذج يرى السودان غنيمة، والتنظيم أداة، والمشروع مجرد غطاء.

لقد جرى تÙ�ريغ المؤسسات التنظيمية من مضمونها السياسي، وتحويلها إلى هياكل شكلية تستدعى عند الحاجة للتزكية لا للمساءلة، وللإجماع الصوري لا للنقاش الحقيقي. ÙˆÙ�ÙŠ هذا الÙ�راغ تمدد Ù†Ù�وذ السكرتير السياسي بوصÙ�Ù‡ حلقة وصل بين التنظيم والأجهزة، لا بين العضوية والقيادة، ليغدو موقعه أقرب إلى “غرÙ�Ø© تحكم” غير معلنة، تدار منها التوازنات، وتصنÙ� العضوية، وتحدد مسارات الصعود والإقصاء. ولم يعد القرار يصنع عبر قنوات تنظيمية واضحة، ولا من خلال حوار داخلي، بل عبر شبكة علاقات شخصية، واعتبارات مصالح وحسابات ضيقة. وهكذا تراجعت قيمة الكÙ�اءة والنزاهة والالتزام الÙ�كري، مقابل صعود معيار واحد؛ هو الطاعة والقدرة على التماهي مع منطق المرحلة الراهنة، التي قضت على روح التنظيم وحولت أهداÙ�Ù‡ النبيلة إلى أداة لخدمة النÙ�وذ والمصالح الشخصية.

وأصبحت الأمور داخل الحركة لا تعتمد على الإقناع أو الرؤية، بل على التخويÙ� والترهيب، والتلميح، وصناعة الشكوك، وإشاعة مناخ عام من الحذر والريبة داخل التنظيم. Ù�كل صوت ناقد ينظر إليه باعتباره تهديداً محتملاً، وكل اختلاÙ� ÙŠÙ�سر بوصÙ�Ù‡ اصطÙ�اÙ�اً ضد “الحركة او قيادتها”ØŒ حتى وإن كان هذا الخط يخدم مصالح الحركة Ù†Ù�سها. والأخطر من ذلك أن الأمر لم يقتصر على تحييد أو إقصاء الكوادر Ù�حسب، بل امتد تدريجياً لإÙ�راغ التنظيم من ذاكرته السياسية، مع تهميش التجربة وتسÙ�يه النقد والتعامل مع التاريخ بوصÙ�Ù‡ عبئاً لا مصدر إلهام. وهكذا تحولت الحركة من كيان يتغذى على تاريخه النضالي إلى تنظيم يخشى ماضيه، لأنه يذكّره بما لم يعد عليه.

ÙˆÙ�ÙŠ ظل هذا التحول، لم يعد مستغرباً أن يكاÙ�Ø£ الانتهازي، ويعاد تدوير الÙ�اسد، طالما أنه يؤدي الدور المطلوب Ù�ÙŠ تثبيت هذا   الواقع المختل. Ù�المسألة لم تعد “من هو الأنسب؟” بل “من هو الأكثر طاعة وقدرة على التكيÙ� مع الاختلال القائم Ù�ÙŠ الحركة؟، ومن هو الأكثر قدرة على تنÙ�يذ ما يطلب دون أسئلة، أو اعتراضات، أو تذكير بالمبادئ.

 Ø¥Ù† ما نشهده بكل أسÙ�ØŒ هو تحول من تنظيم سياسي إلى بنية انتهازية تدار بالحد الأدنى من المسؤولية السياسية والاخلاقية وبالحد الأقصى من المصالح والحسابات الشخصية، وهو تحول لم يحدث دÙ�عة واحدة، بل تم تدريجياً بدأ بتبرير الخطأ واستمر بتجريم النقد وانتهى بتقديس الأمر الواقع. ÙˆÙ�ÙŠ هذا الإطار لا يصبح السكرتير السياسي مجرد شخص شغل موقعاً مهماً، بل تجسيداً لمنظومة كاملة من التÙ�كير والممارسة، منظومة ترى Ù�ÙŠ التنظيم أداة، ÙˆÙ�ÙŠ الموقع Ù�رصة، ÙˆÙ�ÙŠ المرحلة ذريعة Ù…Ù�توحة لتعليق كل القيم، ومن هنا، Ù�إن مساءلته ليست مسألة شخصية، بل ضرورة سياسية وأخلاقية، ما لم يكن الهدÙ� هو التسليم الكامل بأن قيادة الحركة قد اختارت، عن وعي أو تواطؤ، أن تكون جزءاً من الأزمة لا من حلها.

ولا يمكن Ù�هم ما آلت إليه الحركة الشعبية – قيادة عقار، ولا تÙ�سير صعود نموذج أمني انتهازي إلى موقع السكرتير السياسي، بمعزل عن دور القيادة العليا ومسؤوليتها المباشرة. Ù�الأزمات البنيوية لا تنشأ Ù�ÙŠ الÙ�راغ، والانحراÙ�ات العميقة لا تصبح واقعاً إلا حين تجد غطاءً سياسياً، أو صمتاً متواطئاً، أو عجزاً عن المواجهة من أعلى الهرم التنظيمي، والقيادة، أي قيادة لا تقاس بخطابها العلني، بل بقدرتها على حماية مشروعها من التآكل، وعلى صون الحدود الÙ�اصلة بين المبادئ والانتهازية، وبين التنظيم كحامل رؤية، والتنظيم كأداة سلطة. ومن هذه الزاوية، Ù�إن ما جرى داخل الحركة لا يمكن اعتباره مجرد “سوء تقدير”ØŒ بل هو نتاج مسار طويل من التساهل، والتغاضي، وتقديم الاستقرار الشكلي على سلامة المشروع.

لقد قبلت قيادة الحركة، صراحة أو ضمناً، بإعادة تعريÙ� السياسة داخل الحركة على أسس تعارض مشروعها الأصلي، وسمحت بتهميش وجهات النظر المختلÙ�Ø© بين الرÙ�اق، وتÙ�ريغ المواقع القيادية من مضمونها السياسي. ولم يكن تعيين ضابط أمن Ù�ÙŠ موقع السكرتير السياسي سوى الذروة الظاهرة لمسار أعمق، جرى خلاله إضعاÙ� آليات التنظيم الداخلية، وتعطيل المحاسبة، وتحويل القرار إلى شأن ضيق يدار Ù�ÙŠ دوائر مغلقة بعيداً عن أي Ø´Ù�اÙ�ية أو نقاش داخلي. والأخطر من ذلك أن قيادة الحركة، وبشكل خاص الرئيس، لم يكتÙ�Ù� بالصمت، بل أسهم عملياً Ù�ÙŠ شرعنة هذا المسار، من خلال خطاب يخلط بين “الضرورة” Ùˆ”الاختيار”ØŒ وبين “التكتيك” Ùˆ”التحول الاستراتيجي”. Ù�كل اعتراض جرى احتواؤه بالصمت والتجاهل، وكل نقد تأجل بحجة الأولويات، إلى أن تحول التأجيل إلى قاعدة، والصمت إلى Ù�ضيلة، والمساءلة إلى تهديد يثقل كاهل التنظيم ويشل أي عملية إصلاحية حقيقية.

وهنا تبرز مسؤولية القيادة بوص�ها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون تنظيمية. �حين ترى القيادة خللاً او انحرا�اً واضحاً، وتملك القدرة على التصحيح ولا ت�عل، �إنها تتحول من موقع القيادة إلى موقع الشراكة �ي النتائج، وحين يترك أحدهم دون مساءلة، رغم المؤشرات المتراكمة على �ساده وانتهازيته، �إن الرسالة المرسلة إلى اعضاء التنظيم تصبح واضحة وهي ؛الموقع يحمي صاحبه، لا العكس، ولقد جرى خلال هذه المرحلة إضعا� �كرة القيادة الجماعية لصالح شخصنة القرار، وتآكل مبدأ التداول الداخلي، وتكريس علاقة غير صحية بين القيادة وأعضاء وكوادر التنظيم، وهي علاقة لم ت�رضها الظرو� وحدها، بل ساهمت القيادة �ي بنائها وقبولها، ربما بدا�ع الخو� من الانقسام، أو الحرص على البقاء داخل معادلات السلطة، أو الاعتقاد بإمكانية التحكم �ي نتائج هذا الانزلاق. غير أن تجربة الحركة، قديمها وحديثها، تثبت أن من ي�تح الباب لل�وضى لا يتحكم �ي مساره، ومن يساوم على المبادئ بحجة الواقعية يد�ع ثمناً مضاع�اً لاحقاً. �القيادة التي تقبل تسييد منطق الانتهازية داخل تنظيم سياسي ت�قد تدريجياً قدرتها على القيادة ن�سها، وتتحول إلى واجهة تدار من الخل�، بدل أن تكون مركز قرار التنظيم.

إن مسؤولية قيادة الحركة هنا لا تتعلق بشخص بعينه، بل بنمط سمح بأن يستبدل المشروع بالرجل، وال�كرة بالموقع، والتنظيم بالشبكة. وهذا النمط هو ما أتاح للسكرتير السياسي أن يتمدد، ليس لقوته الذاتية، بل لضع� السق� الذي كان ي�ترض أن يحده. و�ي هذا السياق، �إن أي محاولة لإنقاذ ما تبقى من الحركة أو استعادة معناها السياسي، يجب أن تمر عبر مراجعة جذرية لدور القيادة، وخياراتها، ومسؤوليتها عن هذا المسار. �الهروب إلى الأمام لن يكون سوى إعادة إنتاج للأزمة بأسماء جديدة.

نواصل ..

محمد عبدالله ابراهيم

mohammedabdalluh2000@gmail.com

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours