قصة قصيرة .. أحلام اغتالتها الحرب.!! كتبه محمد عبدالله إبراهيم

Estimated read time 0 min read

كانت “Ù�رح” Ù�تاة رقيقة القلب، تعشق الهدوء والجمال، تحلم بعالم نقي وتحمل الخير للجميع، نشأت وسط أسرة بسيطة Ù�قيرة تسكن Ù�ÙŠ منزل متواضع مكون من المواد المحلية التقليدية “القش والجالوص”ØŒ يقع Ù�ÙŠ حي “السلمة” بأطراÙ� الخرطوم، والدها “Ù�اروق” كان موظÙ�اً بهيئة السكة الحديد، يعيش بشرÙ� وكبرياء، حتى جاءت سنوات الإنقاذ، Ù�رÙ�ض أن يبيع مبادئه للسلطة، ونتيجة لذلك Ø£Ù�حيل للصالح العام، وطرد من منزله الحكومي بحي اشلاق السكةحديد، لتجد الأسرة Ù†Ù�سها Ù�ÙŠ العراء، بلا مأوى ولا أمل.


اضطر والدها اÙ�تتاح محل صغيرة يبيع الخضروات Ù�ÙŠ السوق المركزي، ليكاÙ�Ø­ من أجل إعالة أسرته وتوÙ�ير احتياجات أبنائه الثلاثة، بينهم “Ù�رح”ØŒ الÙ�تاة الحالمة التي أضاءت دروب العائلة بأملها وطموحها الكبير، وكانت ترى Ù�ÙŠ التعليم مخرجا من هذا البؤس، Ù�اجتهدت Ù�ÙŠ دراستها ودخلت كلية الطب، درست بجد وتجاوزت كل الصعوبات
وها هي Ù�ÙŠ سنتها الأخيرة بكلية الطب، على وشك التخرج، وعلى وشك تحقيق الحلم الذي كان والدها يناديها ب”الÙ�رج القادم”ØŒ وكانت متمسكة بحلمها بأن تصبح طبيبة تداوي الجروح وترسم البسمة على وجوه المنهكين، وتساعد أسرتها على النهوض من قاع الÙ�قر.


لكن الحياة كانت تدخر Ù„Ù�رح ألماً ÙŠÙ�وق الخيال، Ù�ÙŠ صباح مظلم من أبريل، بينما كانت تراجع دروسها، Ù�جأة اهتزت الأرض تحت أقدامها بصوت انÙ�جارات مروعة اول مرة تسمعها، هرعت مذعورة، تسأل والدتها .. ما هذه الأصوات؟ همست والدتها Ù�ÙŠ اذنها بكلمات لم تÙ�همها، إلتÙ�تت جانبا تسأل اخوانها، ولكن بلا جدوى، Ù�اسرعت إلى والدها، الذي وجدته يتحدث عبر الهاتÙ� مع أحد زملائه Ù�ÙŠ السوق، وبعد الإنتهاء من مكالمته، وقبل ان تسأله، اخبرها بأن الانÙ�جارات اصوات اشتباكات قد اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع، .. ÙˆÙ�ÙŠ ظرÙ� أقل من ساعة، اخترقت دانة منزلهما الهش لتحصد أرواح والدها “Ù�اروق” وشقيقتها “نور”.


وتطايرت الشظايا Ù�ÙŠ كل مكان، واندلعت النيران لتحيل المنزل إلى كومة من الرماد، وقÙ�ت “Ù�رح” وسط الركام رأت أجسادهم ممزقة بين الأنقاض، صرخت بلا وعي وترتجÙ� كطائر مذبوح، وكانت تحاول الإمساك بأي شيء حقيقي، لكنها لم تجد سوى الدخان ورائحة الموت، وسارع الجيران مهرولين، لإطÙ�اء الحريق، وجمعوا أشلاء العائلة المنكوبة، لكن “Ù�رح” لم تكن معهم ..
كانت هناك، جالسة بلا وعي، تحدق �ي ال�راغ، تصرخ دون صوت، حاولوا تهدئتها، قرأوا لها آيات من القرآن الكريم، لكنها كانت تهيم على وجهها، تتحدث بكلمات لم ي�همها أحد، وكاد الحزن ان يلتهم عقلها .. وحالتها الن�سية �ي تدهور مريع، وأصبحت تسير بلا وعي، تحاول الانتحار أو الهروب إلى المجهول.


لم ينته الكابوس هنا .. لم تتوقÙ� معاناة “Ù�رح” عند Ù�قدان والدها “Ù�اروق” واختها “نور”ØŒ بل امتدت لتغتال ما تبقى من استقرارهم، .. استمرار الحرب، أجبرتهم على النزوح من الخرطوم إلى ود مدني، وكانت نزوحهم بلا جدوى، حيث واجهت “Ù�رح” واسرتها ظروÙ� صعبة ومعيشة قاسية، وعانوا من الجوع والتشرد، ولم تستطيع “Ù�رح” واسرتها الصبر أمام كل ما يحدث، Ù�قد عجزت تمامًا، وقررت الذهاب إلى مكان آخر، ولم تمضي أيام وقبل ان يغادروا .. لاحقتهم نيران الاشتباكات هناك أيضا، وهاجمت الدعم السريع المدينة، Ù�اضطروا إلى النزوح مجدداً نحو القضارÙ�.


وهناك لم ترحمهم الحياة أيضا، واكتسى وجهها بالحزن والأسى، ولم تجد واسرتها طعاما، سوى القليل الذي يجود به الناس عليهم، وأضطرت “Ù�رح” للتسول Ù�ÙŠ الأسواق تستجدي لقمة العيش تحت الشمس الحارقة، تجمع الÙ�تات الذي لا يمكن ان تحصل عليه بين جدران Ù�صل مدرسة متهالك، لتطعم والدتها وأخيها، وتضمن لهما البقاء على قيد الحياة، وكانت كرامتها تسحق مع كل كلمة رجاء تخرج من Ù�مها، لكنها لم يكن امامها خيار وليس لها بÙ�د من ذلك.


بعد معاناة طويلة، استطاعت “Ù�رح” جمع مبلغ بسيط وقررت الهروب مع اسرتها إلى إثيوبيا، عسى أن يجدوا هناك بعض الأمان، واستقروا Ù�ÙŠ معسكراً للاجئين، ظنت “Ù�رح” أن هذا النزوح سيكون خلاصا من الألم، ولكن الحال لم يختلÙ� كثيرا، والواقع كان أقسى .. وواجهت “Ù�رح” واسرتها معاناة اخرى لم تكن تتوقعها، حيث يشهد المعسكر تÙ�لتات وانعدام الأمن بسبب هجمات تشنها المليشيات الإثيوبية المسلحة ضد اللاجئين Ù�ÙŠ المعسكر، ولم يكن الطعام متاحا إلا نادرا، والأمراض كانت تÙ�تك بكل من حولهم، والكوارث الطبيعية تحاصرهم من كل جانب، لم يكن أمام “Ù�رح” خيار سوى التسول مجددا، تجوب المخيم طلبا للمساعدة، وتسأل الناس إلحاÙ�ا وحاجة، وهي تحمل Ù�ÙŠ داخلها ألم الÙ�قد، ووجع الأحلام التي ذبلت.

كانت “Ù�رح” يوماً ما على مشارÙ� التخرج من كلية الطب، تحمل حلماً نبيلاً بأن تصبح طبيبة، وتنقذ الأرواح، أصبحت اليوم أسيرة معاناة لا توصÙ�ØŒ تتسول تجوب شوارع المعسكر، تطلب الÙ�تات من أناس مثلها، أناس هاربين من موت إلى موت آخر، وكانت ترى Ù�ÙŠ أعينهم Ù†Ù�س الألم.

أصبحت روح “Ù�رح” خاوية، تبكي كل ليلة على أحلامها التي دÙ�نت تحت أنقاض منزلها بحي السلمة Ù�ÙŠ الخرطوم، كانت تقول وتهمس لنÙ�سها؛ “لقد كنت على وشك أن أكون شيئًا … على وشك أن Ø£Ù�سعد أبي وأختي … لكن الحرب أخذت كل شيء.”


واليوم “Ù�رح” حلمها الوحيد لم يعد أن تصبح طبيبة، بل Ù�قط أن تعيش يوماً اخر مع والدتها وأخيها، بعيداً عن هذا الجحيم.


بين ثنايا روح “Ù�رح” يعيش حلم مكسور، ودموع لا تنضب، لكن رغم الألم، لا تزال “Ù�رح” تبتهل لله بقلبها المحطم أن يمنحهم الرحمة والسلام.

محمد عبدالله إبراهيم
25 يناير 2025.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours