حين يسقط الرمز: دراما كامل إدريس .. بين أسمرا والرياض ونيويورك

Estimated read time 1 min read

Ù�ÙŠ مسرح السياسة، تتكشÙ� أحياناً مشاهد تتجاوز كل ما تسمح به البروتوكولات أو يحدده المنطق الدبلوماسي. تتسلل إلى عمق المأساة الإنسانية التي تكتب بخيوط الخيبة والوجع على وجه الوطن. ليست زيارة رئيس وزراء سلطة الأمر الواقع Ù�ÙŠ بورتسودان، الدكتور كامل إدريس، إلى أسمرا، مجرد جولة رسمية لمسؤول رÙ�يع، بل كانت Ù�صلاً درامياً مكشوÙ�اً من رواية كبرى عنوانها “سقوط الرمز”.

كانت الزيارة Ù�ÙŠ ظاهرها لقاءً دبلوماسياً، لكنها تحولت Ù�ÙŠ لحظات إلى مشهد من العبث السياسي، حين صدح صوت كامل إدريس بهتاÙ� مدوي وغريب “عاش الرئيس أسياس!”ØŒ مردداً إياه أمام حشد من المارة بينما كان يتجول برÙ�قة الرئيس الإريتري أسياس Ø£Ù�ورقي Ù�ÙŠ أحد شوارع أسمرا، ÙˆÙ�ÙŠ تلك اللحظة القصيرة التي التقطتها العدسات، سقطت الأقنعة وتبعثرت الكلمات، وتحول ممثل الحكومة ورئيس وزرائها إلى مشجعÙ� يهتÙ� لغيره، ولم يكن المشهد مجرد تصرÙ� عابر، بل تجسيداً لانكسار رمزي مريع، حين تماهى رئيس الوزراء، مع رئيس دولة أخرى، ونزع عن Ù†Ù�سه وقار دولته وهيبتها، ولم يكن الهتاÙ� عÙ�وياً كما بدا، بل جاء كإعلانÙ� Ù�اضحÙ� عن غياب الحس الوطني الذي ÙŠÙ�ترض أن يميز رجل الدولة عن المشجع او المواطن العادي، وبين من يمثل السيادة ومن ÙŠÙ�رط Ù�ÙŠ رمزها بأريحية مبتسمة.

هتا� كامل ادريس حمل �ي طياته زلزالاً دلالياً. �قد بدا وكأنه انحناءة غير مبررة، تقوض �كرة الندية بين الدول، وتستبدلها بمشهد تبعية سياسية لم يشهدها تاريخ العلاقات السودانية الإريترية. �التمثيل الوطني ليس مجرد حضور جسدي أو كلمات بروتوكولية، بل هو قدرة على تجسيد السيادة �ي هيئة إنسان، على أن يتحدث بلسان الوطن لا بلسان العاط�ة.

 Ø¥Ù† الدبلوماسية، Ù�ÙŠ جوهرها، Ù�Ù† التوازن بين القوة والكياسة، بين الموقÙ� والابتسامة، بين الصمت والكلمة، وحين ÙŠÙ�قد السياسي هذا التوازن، ينهار الجدار الرقيق الذي ÙŠÙ�صل بين شخصه ودولته، Ù�تغدو تصرÙ�اته الÙ�ردية مرآةً تعكس تشوه صورة وطن بأكمله، وهكذا تحولت لحظة الهتاÙ� Ù�ÙŠ أسمرا إلى منعطÙ�Ù� رمزي Ù�ÙŠ التاريخ السياسي السوداني، ولحظة انكشÙ�ت Ù�يها هشاشة الوعي الرسمي، وصار Ù�يها الصوت الÙ�ردي جرحاً جماعياً يضاÙ� إلى سلسلة الجراح التي تنزÙ� من الماضي والحاضر والمستقبل.

 Ù„كن كامل إدريس لم يكتÙ� بالمشهد Ù�ÙŠ أسمرا. Ù�بعد عودته إلى بورتسودان، عقد مؤتمراً صحÙ�ياً أدلى Ù�يه بتصريحات لا يمكن وصÙ�ها إلا بأنها “ورجغة سياسية”ØŒ حين أطلق على الرئيس الإريتري لقب “Ù�ارس Ø¥Ù�ريقيا”. بدت العبارة Ù�ÙŠ ظاهرها مديحاً دبلوماسياً، لكنها Ù�ÙŠ سياقها جاءت امتداداً طبيعياً للهتاÙ�ØŒ وكأن الرجل أراد أن يضمد Ù�ضيحته بضماد من الكلمات المنمقة المبالغ Ù�يها. غير أن الÙ�ضيحة كانت أوسع من أن تغطى، والجرح أعمق من أن يشÙ�ى، Ù�تحولت تصريحاته إلى تبرير لما لا يبرر، وإلى مرآة تكشÙ� عن نزعة شخصية مأزومة، تميل إلى الإعجاب الÙ�ردي والتضخيم الذاتي أكثر مما تعبر عن رؤية وطنية أو موقÙ� يعكس كرامة الدولة.

 Ù‡Ù†Ø§ØŒ لم يعد الأمر مجرد خطأ بروتوكولي عابر، بل أزمة وعي سياسي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. Ù�القائد الذي لا يدرك حدود كلماته، ولا يزن وقعها على رمزية المنصب، يسقط عن Ù†Ù�سه وعن الدولة التي يمثلها جزءاً من الهيبة، وربما الهيبة كلها. Ù�ÙŠ عالم السياسة، لا تعد الكلمات زلات لسان، بل Ø£Ù�عالاً ذات أثر تاريخي، تسجل Ù�ÙŠ ذاكرة الأمم لا Ù�ÙŠ ذاكرة الأÙ�راد. Ù�كل حرÙ� يقال Ù�ÙŠ العلن، يضاÙ� إلى سجل الدولة، ويصبح جزءاً من صورتها أمام العالم، لا مجرد تعبير شخصي يزول بانتهاء المؤتمر أو بإغلاق الميكروÙ�ون.

�ضيحة كامل إدريس �ي أسمرا لم تكن سوى �صلاً جديداً �ي سلسلة من ال�صول الم�ضوحة، التي تتكش� تباعاً كلما حاول الرجل أن يرتدي ثوب الدولة وهو ما زال أسير نزعات ال�رد. �المشهد الذي بدأ بهتا� �ي شوارع أسمرا، لم يكن مجرد زلة، بل عرضاً متكرراً لأزمة أعمق، أزمة رجل لا يدرك أن من يمثل وطناً لا يجوز له أن يتصر� كهاو يبحث عن تص�يق الجماهير، وأحد تلك ال�صول وقع على أرض المملكة العربية السعودية، حين زار الرياض كما تروي المصادر �ي زيارة تمت دون أي تنسيق رسمي أو ترتيب بروتوكولي مسبق. ذهب الرجل وعاد كما ذهب، دون أن يلتقي أي مسؤول سعودي ر�يع المستوى، �ي مشهد يشي إما بارتباك إداري داخل حكومته، أو بعدم اعترا� ضمني من الدولة المضي�ة بشرعيته السياسية. كان الموق� �ي جوهره رسالة صامتة، لكنها أشد وقعاً من التصريحات، إذ كش�ت عزلة الرجل عن عمق الأزمة التي تحيط بحكومته، وعن انعدام الوزن الدبلوماسي الذي بات يلاحقها �ي كل اتجاه.

كانت تلك الزيارة، التي وصÙ�ها الإعلام الحكومي بـ”الناجحة”ØŒ أقرب إلى رحلة سياحية منها إلى مهمة دبلوماسية، وعندما عاد إدريس ليعقد مؤتمراً صحÙ�ياً ويصÙ�ها بـ”الإنجاز الكبير”ØŒ بدا وكأنه يحاول إقناع Ù†Ù�سه قبل الآخرين. Ù�Ù�ÙŠ زمن الشÙ�اÙ�ية الرقمية لم يعد الكذب السياسي ممكناً، ولم تعد محاولات التجميل الإعلامي قادرة على إخÙ�اء العجز. لقد تحولت محاولة “تزيين الÙ�شل” إلى اعتراÙ� ضمني بغياب الحقيقة، مؤكدة أن القيادة، حين تÙ�قد الصدق، تÙ�قد معها جوهر سلطتها الأخلاقية، ويصبح المنصب مجرد كرسي Ù�ارغ، والحضور مجرد واجهة بلا مضمون.

ثم جاء المشهد الآخر من الدراما الÙ�اضحة، على خشبة الأمم المتحدة Ù�ÙŠ نيويورك، Ù�ÙŠ اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تقÙ� الدول لتعلن مواقÙ�ها أمام العالم. هناك وقÙ� إدريس ليلقي خطاباً وصÙ� بأنه “ملÙ�Ù‚ وضعيÙ�ØŒ Ù�قير، وخجول”ØŒ خطاب يمثل أحد أطراÙ� الحرب Ù�قط، الجيش السوداني، لا خطاب رجل دولة يعبر عن أمة كاملة ويسعى لوقÙ� نزيÙ� الحرب، وكان صوته متردداً، وكلماته تائهة بين الرغبة Ù�ÙŠ الإقناع والعجز عن التعبير. لم يترك الخطاب أثراً، ولم يحمل رؤية واضحة، ولم ينقل عمق المأساة التي يعيشها السودان. Ù�ÙŠ اللحظة التي كان العالم Ù�يها ينتظر نداءً صادقاً من قلب الخرطوم، خرج الصوت باهتاً، بارداً، بلا حرارة، بلا إيمان، وكأن الحضور شاهد على تآكل رمزية الدولة Ù�ÙŠ عين العالم قبل الداخل.

إن الخطاب السياسي ليس نصاً مكتوباً، بل موق�اً يتشكل من الداخل، وهو نتاج إيمان القائد بعدالة قضيته، وقدرته على ترجمة وجع شعبه إلى لغة تلهم العالم، وعندما ي�تقر الخطاب إلى الروح، ي�قد تأثيره حتى وإن كان متقناً نحوياً. لذلك بدا خطاب إدريس �ي نيويورك وكأنه وثيقة عجز جماعي، لا إعلان موق�.

هذه الحوادث الثلاث أسمرا، الرياض، نيويورك، لم تكن مجرد أخطاء متÙ�رقة، بل حلقات Ù�ÙŠ سلسلة تكشÙ� هشاشة الرمز، وانÙ�صال القائد عن المعنى الحقيقي للقيادة. Ù�الشخص الذي يوصÙ� بأنه “خجول، متردد، ÙŠÙ�تقر إلى الثقة بالنÙ�س”ØŒ لا يستطيع أن يجسد هيبة الدولة، ولا أن يقنع الداخل والخارج بأنه مؤتمن على مصير وطن. الكاريزما ليست ترÙ�اً Ù�ÙŠ القيادة، بل ضرورة وجودية، وهي الأداة التي تمنح الكلمات وزنها، والمواقÙ� قوتها، والتاريخ احترامه.

وما يزيد المشهد قتامة، أن اسم الدكتور إدريس يرتبط منذ سنوات باتهامات تطعن �ي مصداقيته، من قضايا تزوير إلى تلاعب �ي وثائق رسمية خلال عمله �ي المنظمة العالمية للملكية ال�كرية. تلك التهم، وإن حاول أن يتجاهلها، تظل كظلال تلاحقه أينما ذهب، وتذكر بأن القيادة تبدأ من الثقة، وتنتهي حين تنكسر هذه الثقة. �القائد الذي يحمل ماضياً ملوثاً لا يمكنه أن يصنع مستقبلاً نقياً.

اليوم، وبعد هذه ال�ضائح المدوية والمواق� التي أثبتت �شل الرجل، خاصة أنه إلى الآن لم يقدم أي إنجاز ملموس، أوجه له دعوة صريحة للاستقالة والعودة إلى مقر إقامته �ي سويسرا، حيث الهدوء والابتعاد عن صخب السياسة. ليست دعوتي رغبة �ي الانتقام، بل محاولة لإنقاذ ما تبقى من كرامة المنصب. �حين يتحول القائد إلى عبء على صورة الدولة، يصبح الرحيل شجاعة لا هزيمة، و�ضيلة لا ضع�اً، والتاريخ يحت�ظ �قط بأولئك الذين عر�وا متى يتنحون قبل أن يجبرهم الواقع على الرحيل المهين.

 Ù�ÙŠ جوهر الأمر، لا تتعلق قصة كامل إدريس بشخصه وحده، بل بما يعكس مرض أعمق يعانيه جسد السياسة السودانية Ù�ÙŠ لحظتها الراهنة. أزمة وعي بالمÙ�هوم الحقيقي للتمثيل الوطني، واختلال Ù�ÙŠ معايير اختيار القادة، حيث تقدم الولاءات الشخصية على الكÙ�اءة، وتختزل الدولة Ù�ÙŠ صورة الÙ�رد، Ù�يصبح سقوطه سقوطاً لرمزيتها بأكملها. وكامل إدريس ليس أكثر من دمية Ù�ÙŠ يد قيادة الجيش السوداني، التي سعت لإضÙ�اء شرعية على سلطتها Ù�ÙŠ بورتسودان، Ù�قامت بتعيينه رئيساً للوزراء، وشكلت حكومته من شخصيات اختارها الجيش ذاته، وكانت قيادة الجيش تعتقد أن مجرد التعيين، وتشكيل الحكومة من شخصيات مدنية، يكÙ�ÙŠ لخداع العالم بأنها حكومة ÙƒÙ�اءات مدنية ووطنية حقيقية.

وبدلا من هذا الاستهبال، من الأ�ضل للجيش، وللسودان، وشعبه، هو العمل الجاد على وق� الحرب وتحقيق السلام، و�تح المجال أمام الشعب لاختيار حكومة مدنية تمثله، تحقق أهدا� ثورته، وت�ضي إلى التحول المدني الديمقراطي المنشود. �السيادة الحقيقية لا تمنح بالقوة، بل تستعاد بالش�ا�ية، والعدل، وتمكين المواطنين من تقرير مستقبلهم بأن�سهم.

الرموز ليست مجرد أشخاص، بل معان متجسدة، والقائد هو تمثال من ثقة يقام �ي ذاكرة الأمة، وحين يتشقق هذا التمثال، لا تعود الكلمات قادرة على ترميمه. �الكاريزما، الصدق، الشجاعة، والنزاهة، ليست سمات شخصية �قط، بل أدوات بقاء للأمم �ي وجه الزمن، وإن سقوط الرمز لا يعني �قط إخ�اق قائد او مسؤول �ي مهمة أو كلمة، بل انهيار الرابط الروحي بين الشعب ومؤسسات حكمه، وحين ي�قد الناس احترامهم لمن يمثلهم، تبدأ شرارة الانهيار من داخل الوجدان الجمعي، لا من ساحات المعارك.

ولعل المأساة الأكبر �ي تجربة كامل إدريس، ليست �ي أخطائه العلنية، بل �ي عجزه عن إدراك حجم الضرر الرمزي الذي ألحقه ببلاده. �حين يهت� باسم رئيس أجنبي، أو يمدح من لا يحتاج مديحه، أو يص� زيارته ال�اشلة بالنجاح، �هو لا يسيء إلى ن�سه وحده، بل إلى �كرة الدولة ذاتها، وإلى جيل يحاول أن يعيد للسودان ما �قده من وقار �ي عيون العالم. إن هذه الدراما السياسية، بكل ما �يها من م�ارقات، ليست سوى مرآة تعكس أزمة عميقة �ي م�هوم الحكم ذاته. �هي تذكرنا بأن القيادة ليست سلطة، بل مسؤولية، وأن المنصب لا يصنع القائد، بل يكش� معدنه.

ÙˆÙ�ÙŠ النهاية، يبقى السؤال الأهم .. ما الثمن الحقيقي للقيادة التي تÙ�تقر إلى المصداقية والكاريزما؟ والإجابة، كما تعلمنا من دروس وتجارب التاريخ، “باهظة”Ø› إنها ثمن الثقة، وثمن الهيبة، وثمن الحلم الوطني حين ينهار تحت وطأة الخيبة، وحين يسقط الرمز، لا تتهاوى الألقاب Ù�حسب، بل يسقط معها جزء من روح الأمة، ويتلاشى الإيمان بالقدوة، وتÙ�قد الكلمات معناها، وتغدو السياسة مجرد مسرح بلا بطل.

لكن من بين ركام هذا السقوط، قد ينبثق الدرس الأهم: القيادة ليست �ي البقاء على المنصة، بل �ي القدرة على مغادرتها بكرامة حين يتضاءل الضوء وال�شل يلوح �ي الأ�ق، والكلمة ليست زينة الخطاب، بل مسؤولية أمام الله، والتاريخ، والشعب، وهيبة الدولة لا تبنى بالهتا�، بل بال�عل، بالصدق، وبالوعي بأن الوطن أكبر من كل الأسماء، وأقدس من كل المناصب.

�الدولة، �ي نهاية المطا�، ليست مجرد مؤسسات، بل روح من كرامة وضمير. وحين يسقط الرمز، يتناثر الضوء، وتبقى الذاكرة وحدها تحمل السؤال الأبدي .. هل سيتعلم القادة القادمون أن هيبة الدولة لا تصان بالتص�يق، بل بالصمت الواعي، والحكمة التي تعر� متى تتكلم ومتى تنسحب؟

إن دراما كامل إدريس ال�اضحة، بما تحمله من رمزية، ليست نهاية الحكاية، بل مرآة م�توحة لكل من يظن أن المنصب يحصنه من السقوط. �التاريخ �ي نهاية المطا�، لا يخلد أسماء من جلسوا على الكراسي، بل من صانوا الكرامة حين انهارت حولهم الأصوات، والذين عر�وا أن الهيبة الحقيقية لا تقاس بالمنصب، بل بالقدرة على الوقو� مع الوطن حتى �ي أحلك اللحظات.

محمد عبدالله إبراهيم

ناشط مدني ومدا�ع عن حقوق الانسان

mohammedabdalluh2000@gmail.com

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours