لماذا يجب أن تكون المساءلة أولوية �ي أي تسوية سياسية سودانية؟

Estimated read time 1 min read

منذ اندلاع شرارة الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع �ي أبريل 2023، انزلق السودان إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان �ي التاريخ الحديث. �بينما تتحدث الأرقام عن مقتل عشرات الآلا�، وأكثر من 12 مليون نازح ومهجر. تتكش� يومياً قصص موجعة و�صول مروعة من العن� الجنسي الممنهج، وقتل بدوا�ع عنصرية وعرقية، واستهدا� متعمد للبنية التحتية المدنية، �ي مشهد يلخص عمق المأساة التي يعيشها الشعب السوداني.

إن هذه الحرب المدمرة، بكل ما تحمله من �ظائع، لم تنشب �جأة، بل جاءت كنتيجة حتمية وطبيعية لعقود طويلة من الإ�لات الراسخ من العقاب. لقد سمح هذا الإ�لات التاريخي، الذي يعود جذوره إلى جرائم دار�ور �ي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مروراً ب�ض اعتصام القيادة العامة �ي 2019، للقادة العسكريين والميليشيات المتحال�ة معهم بالاعتقاد بأنهم �وق المساءلة و�وق القانون، وأن دماء المدنيين لا ثمن لها، بل ويمكن انتهاكها بلا تبعات. ولهذا �إن أي مسعى حقيقي ومحاولة جادة لإنهاء دوامة العن� وبناء سلام مستدام �ي السودان لا يمكن أن يتجاوز مطلب العدالة. �المساءلة ليست بنداً ثانوياً على طاولة الت�اوض، بل هي حجر الأساس الذي يبنى عليه مستقبل آمن وعادل لكل السودانيين.

العدالة الشاملة .. مطلب لا يقبل التجزئة

يتميز النزاع الحالي �ي السودان بكون ان جميع أطرا�ه قد انتهكوا بصورة صارخة القوانين والمواثيق الدولية التي تهد� إلى حماية المدنيين أثناء النزاعات. �قد ارتكبت انتهاكات جسيمة وواسعة النطاق، وثقتها بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، من قبل كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ويرقى العديد منها إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وانطلاقاً من هذه الحقائق �إن المطالبة بالعدالة لا يمكن أن تكون انتقائية أو مجزأة. �هي مطالبة شاملة يجب أن تطال كل المسؤولين عن الانتهاكات دون استثناء، وتشمل هذه المساءلة قادة قوات الدعم السريع والمليشيات المتحال�ة معها المتورطين �ي الجرائم الخطيرة التي حدثت �ي الخرطوم ودار�ور، بما �ي ذلك أعمال العن� ذات الطابع العرقي والانتهاكات الموجهة ضد المدنيين، وتشمل كذلك قادة القوات المسلحة السودانية والمليشيات المرتبطة بها المسؤولين عن الانتهاكات ضد المدنيين، بما �ي ذلك القص� العشوائي للمناطق السكنية واستهدا� المدنيين، وانتهاكات القانون الدولي الإنساني.

وتكمن النقطة الأكثر حساسية والأشد أهمية �ي دور الإسلاميين وقادة نظام المؤتمر الوطني السابق، �الحرب الحالية ليست حدثاً معزولاً، بل امتداد مباشر لجرائم الماضي، ومن هنا تأتي ضرورة المطالبة بتقديم جميع قادة نظام المؤتمر الوطني المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية، بتهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية �ي دار�ور، وعلى رأسهم الرئيس المعزول عمر البشير، إلى العدالة الدولية من أجل إنصا� الضحايا وإرساء أساس حقيقي للمساءلة، وعلى قادة الجيش السوداني، الذين ينكرون وجود ن�وذ لقادة الإسلاميين على قرارات الجيش خاصة �يما يتعلق بإدامة الحرب وعرقلة جهود وق�ها، أن يثبتوا جديتهم. �إذا كانوا صادقين بال�عل، �عليهم الك� عن حماية قادة النظام السابق، وتسليمهم �وراً ودون أي شروط إلى المحكمة الجنائية الدولية، وأنا على قناعة راسخة بأن تسليم هؤلاء المطلوبين سيكون خطوة محورية نحو وق� الحرب وتحقيق السلام والاستقرار. أما الإبقاء عليهم طلقاء أو السماح لهم بالعودة إلى المشهد السياسي، �هو ليس سوى مكا�أة غير مستحقة على ما ارتكبوه، ورسالة خطيرة م�ادها أن الإ�لات من العقاب ما زال ممكناً. بالإضا�ة الى ذلك �إن أي تسوية سياسية للازمة السودانية الراهنة لا تتعامل بجدية مع هذا الإرث الإجرامي ستظل مجرد هدنة مؤقتة، تبقي جذور العن� دون معالجة وتمهد لجولة جديدة من المآسي.

العدالة .. عامل الردع الوحيد والضمانة للمستقبل

إن الادعاء بأن “السلام أولاً، ثم العدالة” هو طرح مضلل وخطير Ù�ÙŠ السياق السوداني. Ù�قد أثبتت التجارب السابقة أن التنازل عن العدالة لصالح سلام هش لا يحقق الاستقرار، بل يؤجل الانÙ�جار القادم. Ù�حين يخرج مرتكبو الانتهاكات من أي تسوية سياسية دون محاسبة، Ù�إنهم يتلقون الضوء الأخضر لتكرار انتهاكاتهم وجرائمهم Ù�ÙŠ المستقبل دون خوÙ� من العواقب، ولذلك يجب الاخذ بأن العدالة ليست ترÙ�اً ولا مطلباً مؤجلاً، بل إنها عامل الردع الوحيد الذي يمكن أن يكسر الحلقة الجهنمية الشريرة للعنÙ�. لا سيما ان غياب المحاسبة هو ما سمح لميليشيا الجنجويد، المتهمة بارتكاب انتهاكات خطيرة Ù�ÙŠ دارÙ�ور، بأن تتحول إلى قوة نظامية تحت اسم “قوات الدعم السريع”ØŒ لتقود اليوم Ù�صلاً جديداً من الانتهاكات والمعاناة بحق المدنيين، ولذلك Ù�إن ملاحقة القادة والأÙ�راد المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، بما Ù�ÙŠ ذلك القتل، العنÙ� الجنسي، والاختÙ�اء القسري، ترسل رسالة واضحة لا لبس Ù�يها Ù…Ù�ادها ان الجرائم والانتهاكات الانسانية لن تمر دون عقاب، وأن سيادة القانون هي الأساس الذي سيبنى عليه السودان الجديد.

لا تقتصر أهمية العدالة على محاسبة الجناة �حسب، بل تمتد لتشمل أدواراً أساسية �ي إعادة بناء المجتمع والدولة، خاصة ان العدالة تمثل الخطوة الأولى نحو الاعترا� بمعاناة الضحايا وذويهم، وت�تح الباب أمام آليات جبر الضرر التي تعيد للمجتمعات المتضررة كرامتها وثقتها �ي الدولة، ولا يمكن الحديث عن مصالحة مجتمعية حقيقية بين مكونات الشعب السوداني ما لم تعالَج الجروح العميقة التي خل�تها الحروب والانتهاكات المتراكمة، وعليه؛ �أن أي تسوية سياسية قادمة تسعى للانتقال نحو حكم مدني ديمقراطي لا بد أن تقوم على مؤسسات قضائية مستقلة و�عالة. �إعطاء الأولوية للمساءلة يعني إعادة بناء هذه المؤسسات وتحصينها من ن�وذ الأطرا� المتورطة �ي الانتهاكات، بما يضمن أن تكون الدولة الجديدة قادرة على حماية مواطنيها، وصون حقوقهم، ومنع تكرار ال�ظائع والمآسي، وتصبح العدالة ليست مجرد مطلب قانوني، بل ركيزة لإصلاح المجتمع وترميم الدولة وبناء مستقبل يقوم على الكرامة والإنصا�. �بدون عدالة شاملة وحقيقية، سيظل كل حديث عن سلام مجرد وهم، وستبقى جذور العن� قادرة على إنتاج مزيد من الازمات والمآسي.

 Ø®Ø§Ø±Ø·Ø© طريق للمساءلة .. تÙ�عيل الآليات الدولية

لتحقيق عدالة شاملة وحقيقية، لا بد للمجتمع الدولي والقوى المدنية السودانية من العمل المشترك على ت�عيل آليات المساءلة وتعزيزها، ويبدأ هذا المسار بالتعاون الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية، حيث تقع على عاتق سلطات الأمر الواقع وقيادة الجيش السوداني مسؤولية تسليم عمر البشير وبقية المطلوبين �ي قضايا دار�ور �وراً إلى المحكمة، والانخراط �ي تعاون غير مشروط مع مكتب المدعي العام �ي تحقيقاته المتعلقة بالجرائم المرتكبة منذ أبريل 2023. �هذه الخطوة ليست �قط استحقاقاً قانونياً، بل مدخلاً أساسياً لأي عملية عدالة حقيقية، ويتكامل هذا المسار مع دعم البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان. �جمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات هو حجر الزاوية لأي محاكمات مستقبلية، ولذلك �إن تمكين هذه البعثة من الوصول الكامل إلى مختل� مناطق النزاع، وتو�ير الموارد الكا�ية لها، يمثل ضمانة ضد طمس الحقائق أو ضياع الأدلة، لا سيما انه من دون هذا التوثيق لن يكون من الممكن بناء مل�ات قضائية قوية تحاسَب بموجبها الأطرا� المتورطة.

ولأن نطاق الجرائم المرتكبة منذ اندلاع الحرب يتجاوز حدود دارÙ�ور، Ù�إن الضغط على مجلس الأمن لتوسيع ولاية المحكمة الجنائية الدولية يصبح ضرورة عاجلة لا يمكن تجاهلها. Ù�الاقتصار على ملÙ� دارÙ�ور وحده يترك Ù�جوات واسعة Ù�ÙŠ منظومة العدالة، ويترك عدداً كبيراً من الجرائم والانتهاكات خارج نطاق المساءلة، ÙˆÙ�ÙŠ الوقت ذاته، يجب النظر بجدية Ù�ÙŠ إنشاء آلية قضائية مختلطة (سودانية – دولية) لمعالجة القضايا التي تقع حاليا خارج اختصاص المحكمة الدولية، لا سيما إن دمج الخبرة الدولية مع قضاة سودانيين مستقلين، مشهود لهم بالكÙ�اءة والنزاهة، يضمن محاسبة شاملة ومحاكمات عادلة، ويعزز ثقة السودانيين Ù�ÙŠ القدرة على تأسيس منظومة عدالة وطنية، يضع الأساس لإنهاء الإÙ�لات من العقاب، وهذه الخطوة تمهد الطريق نحو انتقال مستقر ودولة مؤسسات تحترم وتحمي حقوق جميع المواطنين، وتضمن منع تكرار الانتهاكات Ù�ÙŠ المستقبل.

إن السلام الذي يبنى على التنازل عن العدالة هو سلام زائÙ� وقصير الأمد، لا يتجاوز كونه صÙ�قة سياسية تمنح الإÙ�لات من العقاب للقادة العسكريين على حساب مستقبل السودان واستقراره، وإننا، كمداÙ�عين عن حقوق الإنسان، نؤكد على أن المساءلة يجب أن تكون شرطاً غير قابل للتÙ�اوض Ù�ÙŠ أي حوار أو اتÙ�اق سلام قادم، سواء على المستوى الوطني أو من خلال مبادرات الوسطاء الإقليميين والدوليين، ويجب أن تكون رسالتنا واضحة لا لبس Ù�يها: “لا يمكن أن يكون مرتكبو الجرائم، من أي طرÙ� كانوا، جزءاً من الحل”ØŒ بل يجب تقديمهم للعدالة والمحاكمة، والطريق الوحيد لضمان أن تكون هذه الحرب الأخيرة Ù�ÙŠ السودان يمر عبر قاعات المحاكم، حيث تتحقق العدالة للضحايا، وتوضع حد نهائي لدائرة الإÙ�لات من العقاب التي دمرت البلاد وهددت استقرارها لعقود.

محمد عبدالله ابراهيم

مدا�ع عن حقوق الإنسان

mohammedabdalluh2000@gmail.com

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours