السودان بين ال�وضى والتحول: ما يجب على المجتمع الإقليمي والدولي والمجتمع المدني السوداني �عله لإنهاء الأزمة (1-2)

Estimated read time 1 min read

تت�اقم الأزمة السودانية يوماً بعد يوم، لتتحول إلى واحدة من أبشع المآسي الإنسانية �ي العالم اليوم. ومع استمرار الحرب واتساع رقعة الدمار والخراب بلا أي أ�ق للحل، وانهيار مقومات الحياة والأمان بشكل يومي، تتعالى النداءات الموجهة إلى المجتمعين الإقليمي والدولي لتحمل مسؤولياتهما الأخلاقية والسياسية والقانونية، وللانتقال من دائرة الإدانة والترقب والصمت إلى �ضاء ال�عل الحقيقي والمسؤول، ال�عل الذي يضع حداً للحرب �ي السودان وي�تح الطريق أمام مسار سياسي جاد يقود إلى تحول مدني ديمقراطي شامل ومستحق.

 Ø§Ù„مجتمع الدولي .. تعدد المبادرات وغياب الرؤية الموحدة

ورغم أن كثيرين يصرون على وصÙ� الأزمة السودانية بأنها “معقدة”ØŒ Ù�إن الحقيقة التي لا يمكن القÙ�ز Ù�وقها هي أن استمرار الحرب لا يعود لتعقيدها، بقدر ما يعود إلى غياب الإرادة الÙ�علية والجادة لدى الÙ�اعلين الإقليميين والدوليين Ù�ÙŠ وضع حد للازمة وإنهائها. Ù�المأساة التي يعيشها السودان اليوم ليست قدراً محتوماً، بل نتاج مباشر لعاملين متداخلين: أولاً، تهاون دولي وإقليمي Ù�ÙŠ بلورة استراتيجية موحدة توقÙ� الحرب وتواجه جذورها؛ وثانياً، أزمة بنيوية Ù�ÙŠ تماسك القوى السياسية والمدنية السودانية التي ما زالت عاجزة عن توحيد جبهتها وصياغة برنامج مشترك يعبر عن تطلعات الشعب ويواجه تحديات المرحلة.

منذ اندلاع الحرب، عقدت عشرات الاجتماعات واللقاءات ر�يعة المستوى، بما �يها لقاءات مع الأحزاب والمكونات السياسية والمدنية، لكنها جميعها �شلت �ي إنتاج نتائج واقعية ملموسة توق� الحرب أو تحد من الجرائم والانتهاكات ضد المدنيين. وما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيداً من بيانات الإدانة، ولا تلك المبادرات الشكلية التي تعلن �ي الصباح وتنسى مع حلول المساء، بل خارطة طريق واضحة تعبر عن التزام حقيقي وصادق بالسلام، تلزم المجتمع الدولي والإقليمي بالانتقال من موقع المت�رج إلى موقع ال�اعل المسؤول عن وق� الحرب، ومن تكرار الوعود إلى تن�يذها، وتبدأ هذه الخارطة بخطوة واحدة لا تقبل التأجيل .. وق� الحرب �وراً، باعتباره الشرط الأخلاقي والسياسي الأول لأي مسار جاد يضع حياة السودانيين �وق كل الحسابات، وي�تح الباب لبناء مستقبل جديد لهذا الوطن الذي يستحق أن ينقذ، لا أن يترك لل�وضى والمصير المجهول.

الأزمة الداخلية .. تقاطعات القوى المدنية وتآكل الثقة

 Ù„ا يمكن تحميل المجتمع الدولي وحده مسؤولية إطالة أمد الأزمة السودانية. Ù�القوى المدنية، التي ÙŠÙ�ترض أن تشكل البديل الديمقراطي الموحد، تعاني من اختلالات وأزمة عميقة Ù�ÙŠ وحدة الصÙ� والقدرة على الاتÙ�اق على برنامج حد أدنى، الأمر الذي يجعلها تتحمل جزءاً كبيراً من أسباب اندلاع الحرب واستمرارها.

كانت هناك Ù�رصة حقيقية أمام تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية “تقدم” لتوسيع صÙ�ÙˆÙ�ها واستيعاب مختلÙ� أطياÙ� ومكونات المجتمع السوداني، بما يمكنها من تشكيل أكبر كتلة مدنية وطنية قادرة على وقÙ� الحرب واستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي، ولكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً .. Ù�بدلاً من التوسع والتوحد، انقسم التحالÙ� على Ù†Ù�سه، الأمر الذي أضعÙ� الجبهة المدنية بصورة مؤسÙ�Ø© Ù�ÙŠ لحظة Ù…Ù�صلية كانت البلاد وشعبها المنهك بالحرب Ù�ÙŠ أمس الحاجة Ù�يها إلى أعلى درجات التماسك والمسؤولية الوطنية.

هذا الانقسام ليس الأول من نوعه .. �الساحة السياسية السودانية عر�ت، عبر تاريخها الحديث، انقسامات بنيوية داخل الأحزاب السياسية، إضا�ة إلى شرخ� متزايد �ي التحال�ات المدنية التي كان ي�ترض أن تشكل ركائز راسخة للمسار الديمقراطي، وقد أسهمت هذه الانقسامات، بصورة مباشرة، �ي إطالة عمر الأنظمة الشمولية، وعلى رأسها نظام المؤتمر الوطني، الذي تمكن من البقاء �ي السلطة لثلاثة عقود مست�يداً من تشظي القوى المدنية وتشتتها، وعجزها عن بناء جبهة وطنية موحدة قادرة على �رض التغيير وحماية تطلعات الشعب.

ولعل أبرز الأمثلة القريبة على ذلك هو تحالÙ� قوى الحرية والتغيير “قحت”ØŒ الذي قاد ثورة ديسمبر المجيدة Ù�ÙŠ 2019 بمسؤولية واقتدار. إلا أنه وما إن سقط النظام، حتى بدأت الخلاÙ�ات تتÙ�اقم بين مكوناته وعجز التحالÙ� عن إدارة هذه الخلاÙ�ات الداخلية، Ù�تحول سريعاً إلى سلسلة من الانقسامات الحادة التي قصمت ظهر الثورة Ù†Ù�سها Ù�ÙŠ لحظة شديدة الحساسية، كان السودان وشعبه المتطلع للتغيير Ù�يها Ù�ÙŠ أمس الحاجة إلى جبهة مدنية متماسكة قادرة على حماية مكتسبات الثورة وتحقيق اهداÙ�ها Ù�ÙŠ الحرية والسلام والعدالة، بما ÙŠÙ�تح الطريق نحو تحول ديمقراطي حقيقي. إن هذا التÙ�كك لم يجهض Ù�قط Ù�رصة بناء دولة مدنية ديمقراطية، بل ضرب الثقة الشعبية وترك Ù�راغاً سياسياً كبيراً، كان من الممكن أن يتحول إلى جسر نحو سودان جديد يعيد للشعب كرامته ويمنح الوطن مكانته المستحقة بين الشعوب والأمم.

 ÙˆØªÙƒÙ…Ù† جذور هذه الانقسامات Ù�ÙŠ هشاشة التحالÙ�ات المدنية Ù†Ù�سها، ÙˆÙ�ÙŠ تغليب مكوناتها للمصالح الحزبية الضيقة على حساب المصلحة الوطنية، وهذا الخلل البنيوي جعلها عاجزة عن الاتÙ�اق حتى على برنامج حد أدنى، وإن حدث وتوصلت إلى اتÙ�اق وإقامة تحالÙ�ØŒ Ù�إنه غالباً ما يكون هشاً لا يصمد أمام أول اختبار، لتعود الخلاÙ�ات الداخلية للظهور من جديد. كما يعجز قادة هذه التحالÙ�ات عن إدارة تلك الخلاÙ�ات وحلها بÙ�عالية، رغم أن جميع مكوناتها ترÙ�ع شعارات الديمقراطية، وهكذا تتحول هذه التناقضات المتراكمة إلى انقسامات جديدة تزيد المشهد السياسي تعقيداً وتضعÙ� قدرة القوى المدنية على لعب دور Ù�اعل Ù�ÙŠ اللحظات المÙ�صلية المهمة.

وترتكز هذه الهشاشة �ي الأساس على ثلاثة أسباب رئيسية:

السبب الأول: الانقسامات الأيديولوجية والمصالح الحزبية الضيقة

تعاني القوى السياسية المدنية من انقسامات أيديولوجية عميقة، حيث يختلط لديها الحابل بالنابل ولا تستطيع التمييز بين العمل الحزبي الخاص والعمل الوطني العام، وبين قضايا الحزب وقضايا الوطن، ومما يزيد الأمر سوءاً ر�ض بعض الأطرا� لقبول وجهات النظر المختل�ة، مما يؤدي مباشرة إلى تغليب المصالح والأجندات الحزبية والشخصية الضيقة على المصلحة الوطنية العليا، ويجعل أي توا�ق على برنامج حد أدنى هشاً وسريع الانهيار عند ظهور أي خلا�ات داخلية، وقد أدى هذا الوضع إلى شل الجبهة المدنية وإضعا� قدرتها على مواجهة الحرب والأطرا� العسكرية، كما منعها من تشكيل ضغط موحد و�عال لإيقا� الحرب واستعادة التحول المدني الديمقراطي.

 Ø§Ù„سبب الثاني: ضعÙ� آليات إدارة الخلاÙ�ات والحوكمة الداخلية للتحالÙ�ات

�ي كثير من الأحيان، حتى عند التوصل إلى توا�ق مبدئي، ت�تقر القوى المدنية غالباً إلى آليات �عّالة لإدارة الخلا�ات وحل النزاعات داخلياً. هذا الضع� يؤدي إلى ت�كك التحال�ات سريعاً واستنزا� طاقتها السياسية قبل أن تتمكن من ممارسة أي تأثير �علي على المشهد السياسي. ومن الم�ارقات المؤلمة أن مكونات التحال�ات تعمل أحياناً ضد شركائها �ي تحال� الأمس أكثر من مواجهتها للعدو المشترك، و�ي بعض الحالات تصل إلى التحال� مع “العدو التاريخي� لإ�شال وتقويض عمل التحال� الآخر، كما حدث �ي تحال� قوى الحرية والتغيير والكتلة الديمقراطية. ولا سيما أن غياب هذه الآليات، إلى جانب ضع� الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب، يجعل أي جهود للتوحيد الداخلي أو بناء كتلة وطنية قوية معرضة لل�شل مهما كانت النوايا حسنة.

السبب الثالث: التأثيرات الخارجية والأجهزة الأمنية

ولا يمكن إغ�ال أن لهذه الخلا�ات أسباباً خارجية أيضاً. �الأجهزة الأمنية والاستخباراتية السودانية، التي نشأت وتغذت من الأنظمة العسكرية الشمولية، تمتلك أياد� طويلة تعمل على زرع ال�تن وتغذية الصراعات الداخلية بين القوى المدنية، وهذا التدخل يهد� إلى زعزعة الوحدة وتقسيم التحال�ات وإضعا�ها، بما يخدم استمرار الحكم العسكري ويؤجل أي مساعي نحو التغيير وتحقيق تحول ديمقراطي حقيقي.

إن هشاشة القوى المدنية السودانية وعدم قدرتها على الات�اق على برنامج حد أدنى موحد يضع� أي محاولة وطنية لإنهاء الحرب ويترك الباب م�توحاً لاستمرار النزاع، حتى �ي ظل وجود ضغط دولي وإقليمي، ولقد ساهمت هذه الانقسامات و�شل القوى المدنية �ي إنجاز مشروع سياسي وبرنامج وطني جامع �ي �قدان الثقة الشعبية، حتى أن غالبية الشعب السوداني لم يعد يثق بالأحزاب والتحال�ات السياسية، مما يترك �راغاً سياسياً كبيراً ويزيد من صعوبة مهمة أي قوة مدنية تسعى لقيادة البلاد نحو التحول الديمقراطي الحقيقي.

الطريق إلى الأمام .. جدية دولية ووحدة وطنية

إن وضع حد للأزمة السودانية يتطلب تحولاً جذرياً Ù�ÙŠ مقاربة المجتمع الدولي والقوى المدنية السودانية على حد سواء. ولتحقيق هذا الهدÙ�ØŒ لا يكÙ�ÙŠ مجرد إعلان الرغبة Ù�ÙŠ السلام، بل يجب أن تتجسد الإرادة الدولية والإقليمية Ù�ÙŠ خطوات واضحة ومتكاملة، تترجم الالتزام العالمي بالسلام إلى Ø£Ù�عال ملموسة تنهي الحرب Ù�وراً، وتضع حداً للÙ�وضى السياسية والدبلوماسية التي أعاقت كل المبادرات السابقة. Ù�السلام ليس خياراً نظرياً، بل ضرورة عملية ملحة، ونجاح أي مسار مستقبلي يعتمد على التزام الجميع بتنÙ�يذ الخطوات التالية …

نواصل،،،

محمد عبدالله إبراهيم

مدا�ع عن حقوق الانسان

mohammedabdalluh2000@gmail.com

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours