المجتمع المدني في السودان .. الأدوار، التحولات والتحديات

Estimated read time 1 min read

المجتمع المدني في السودان .. الأدوار، التحولات والتحديات

مقدمة:

ظل المجتمع المدني في السودان لاعباً محورياً في صياغة التحولات السياسية والاجتماعية منذ ما قبل الاستقلال عام 1956، فمن تنظيمات الخريجين، والنقابات، والحركات النسوية، إلى المبادرات الشبابية المعاصرة، شكل المجتمع المدني قوة اجتماعية وسياسية ساهمت في مقاومة الاستبداد، وتعزيز قيم الديمقراطية، وحماية الحقوق والحريات.

تجربة المجتمع المدني السوداني تمتاز بخصوصية مزدوجة: جذور تاريخية ضاربة في العمق منذ حقبة مقاومة الاستعمار، وحيوية متجددة في مواجهة تحديات ما بعد ثورة ديسمبر 2018، والانقلاب العسكري 2021، والحرب المدمرة التي اندلعت في 15 أبريل 2023.

أولاً: مفهوم المجتمع المدني وإطاره السوداني

رغم تعدد التعريفات، يمكن النظر إلى المجتمع المدني في السودان باعتباره مجموعة التنظيمات التطوعية المستقلة عن الدولة والأحزاب، التي تنظمها إرادة أعضائها الحرة، وتلتزم قيم التسامح، واحترام التنوع، والعمل السلمي لتحقيق مصالح المجتمع.

في السياق السوداني، يشمل هذا الإطار:

  • النقابات والاتحادات المهنية.
  • منظمات حقوق الإنسان والتنمية.
  • الحركات النسوية والشبابية.
  • المبادرات القاعدية (مثل لجان المقاومة وغرف الطوارئ).
  • الجمعيات الثقافية والتعاونية.

لكن غموض المفهوم في أذهان بعض النخب، وخلط “المدني” بـ”السياسي”، أدى إلى نقاشات مستمرة حول حدود أدوار المجتمع المدني وعلاقته بالعمل الحزبي.

ثانياً: الجذور التاريخية:

نشأ المجتمع المدني السوداني في سياق مقاومة الاستعمار:

  • الأربعينيات والخمسينيات: بروز تنظيمات الخريجين، النقابات العمالية، وحركات المزارعين.
  • النشاط الطلابي والنسوي: تأسيس الاتحاد النسائي السوداني (1952)، واتحاد الطلاب (1940).
  • مرحلة ما بعد الاستقلال: اتساع دور النقابات والاتحادات المهنية، وتنامي الحركات الثقافية والرياضية كجزء من النسيج المدني.
  • الحركات السياسية الموازية: ارتباط نشأة العديد من منظمات المجتمع المدني بمشاريع سياسية تحررية أو أيديولوجية.

ثالثاً: المجتمع المدني وثورة ديسمبر 2018:

لعب المجتمع المدني دوراً محورياً في إسقاط نظام البشير عبر:

  • تحالف قوى الحرية والتغيير الذي جمع القوى السياسية والنقابية والمدنية.
  • تجمع المهنيين الذي شكل أيقونة الحراك الثوري.
  • مساهمات واسعة من لجان المقاومة والمبادرات الشبابية.

لكن المشاركة في السلطة الانتقالية كشفت خلافات داخلية حول حدود الدور السياسي، وأدت إلى انقسامات، خاصة مع غياب تصور موحد لطبيعة العلاقة بين المجتمع المدني والسلطة.

رابعاً: حرب 15 ابريل 2023 وتأثيرها على المجتمع المدني:

اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع شكل لحظة حرجة ليس فقط على المجتمع المدني، بل لكافة أبناء وبنات الشعب السوداني، ومن افرازات الحرب الكارثية على المجتمع:

  • التضييق والقمع: استهداف النشطاء وإغلاق المساحات المدنية.
  • التحول للعمل الإنساني: انتقال العديد من المبادرات إلى أدوار إغاثية، خاصة المجموعات القاعدية.
  • النزوح والشتات: إعادة تموضع النشاط المدني في دول الجوار، وتأسيس شبكات مدنية في المنفى.
  • عسكرة المجال العام: تراجع الدور الرقابي، وصعوبة الضغط السياسي داخلياً.

خامساً: المنظمات الشبابية والمجموعات القاعدية

الشباب كانوا روح الثورة، وما زالوا محور النشاط المدني:

  • لجان المقاومة: أطر أفقية تنظيمية قادت الحراك الميداني.
  • لجان التغيير والخدمات: شراكة مع السلطات المحلية لتحسين الخدمات.
  • غرف الطوارئ: مبادرات إغاثية محلية لمواجهة الحرب والمجاعة.
  • المطابخ الجماعية والمراكز الصحية: جهود إنسانية تقودها مجموعات متطوعين.
  • التنظيم الأفقي: غياب الهرمية، واعتماد آليات ديمقراطية تشاركية.

هذه السمات يمكن ان تفتح الباب واسعا أمام تحول هذه المجموعات إلى حركة اجتماعية واسعة ذات بعد سياسي – مدني في المستقبل.

سادساً: التحديات البنيوية والهيكلية

رغم الحيوية، يواجه المجتمع المدني السوداني، بما فيه الشبابي، أزمات مزمنة منها:

  1. ضعف الوعي بالذات: تجاهل الجذور الوطنية، والاعتماد المفرط على النماذج والمصطلحات المستوردة.
  2. التناقض بين الخطاب والممارسة: ضعف الديمقراطية الداخلية واحتكار القيادة وغياب الشفافية.
  3. إشكالية التمويل: الاعتماد على التمويل الأجنبي، مع مخاطره المرتبطة بالأجندات أو تحويل المنظمات إلى مشاريع معيشية.
  4. الالتباس حول الدور السياسي: الخلط بين “غير حزبي” و”غير سياسي”، مما يقيد إمكانات التأثير.
  5. عسكرة الفضاء العام: القيود الأمنية والعنف السياسي ضد النشطاء.

سابعاً: آفاق المستقبل

رغم الحرب والانقسام، تظل هناك فرص حقيقية لبناء مجتمع مدني أكثر قوة:

  • إعادة البناء التنظيمي: تعزيز الهياكل الديمقراطية الداخلية.
  • تأصيل المفهوم: ربط الحاضر بالجذور الوطنية التاريخية للحركة المدنية.
  • بناء تحالفات أوسع: بين المجموعات الشبابية، والمنظمات النسوية، والاتحادات المهنية.
  • العمل العابر للحدود: استثمار وجود النشطاء في الشتات لبناء شبكات دعم وتأثير دولية.
  • الموازنة بين الإغاثة والضغط السياسي: لضمان أن العمل الإنساني لا يستخدم بديلاً عن المطالبة بالسلام والعدالة.

خاتمة:

المجتمع المدني السوداني، وبالأخص منظماته الشبابية، يقف اليوم أمام امتحان تاريخي. فبينما فرضت الحرب تحديات غير مسبوقة، فقد أظهرت المجموعات القاعدية والشبابية قدرة استثنائية على التكيف والابتكار، وإن الاستثمار في هذه الديناميكية، مع معالجة أزمات البنية والهوية والتمويل، يمكن أن يجعل من المجتمع المدني ركيزة أساسية لإعادة بناء السودان على أسس ديمقراطية، عادلة، وشاملة.

  ملحوظة:

هذا الجزء مخصص للإجابة على الأسئلة الجوهرية لهذه الفعالية المقامة بمناسبة يوم الشباب العالمي، والتي تتمحور حول دوره وقدرته على التأثير، وإمكانيات الشباب في صياغة مشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات الجغرافية والسياسية.

الشباب وأجندة وطنية موحدة في ظل تمزق الجغرافيا والسياسة

السؤال 1: هل يمكن صياغة أجندة وطنية موحدة للشباب؟ وما الذي يمنع الشباب المستقلين من لعب دور القيادة الأخلاقية والسياسية لوقف الحرب؟

رغم الانقسامات الجغرافية والسياسية العميقة، فإن معاناة الشباب السوداني متشابهة وتتمثل في التهميش والبطالة وفقدان الأمان وانسداد الأفق، وهذه القواسم المشتركة تمثل قاعدة صلبة لصياغة أجندة وطنية موحدة ترتكز على قيم السلام والعدالة الاجتماعية والتحول الديمقراطي.

ولكن ثمة معوقات تحد من قيام الشباب بدور القيادة الأخلاقية والسياسية:

  • الإرهاق النفسي والاجتماعي الناتج عن الحرب والنزوح المستمر.
  • غياب المساحات الآمنة للتنظيم والحوار.
  • التضييق الأمني واستهداف القيادات الشبابية من قبل أطراف النزاع.
  • تشرذم المبادرات الشبابية وضعف التنسيق بينها، خاصة بين الأقاليم والمناطق الاخرى.

مع ذلك، أثبتت تجارب مثل “لجان المقاومة” و”غرف الطوارئ” قدرة الشباب على التنظيم الأفقي والعمل الميداني، ما يجعل القيادة الأخلاقية ممكنة إذا توفر الدعم والاعتراف بمشروعهم الوطني.

خصوصية أجندة المجتمع المدني مقارنة بأطراف النزاع

السؤال 2: ما الذي يجعل أجندة المجتمع المدني مختلفة عن أطراف النزاع؟ وهل يملك أدوات ضغط كافية لوقف استغلال الشباب؟

المجتمع المدني يختلف جذرياً عن أطراف النزاع، وذلك لأنه:

  1. غير مسلح ويعتمد على الوسائل السلمية والحوار.
  2. يضع المدنيين في مركز الاهتمام ولا السيطرة على السلطة أو الأرض.
  3. يعتمد قيم الشفافية والمساءلة بدلاً من منطق الغلبة.

ولكن قدرته على الضغط محدودة نسبياً، لأسباب منها:

  • ضعف التنسيق بين مكوناته، لا سيما القيادية والقاعدية.
  • الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي، الذي قد يواجه في بعض الأحيان العديد من التعقيدات الجزئية او الكلية.
  • انعدام نفوذ مباشر على الأطراف المسلحة.

ورغم ذلك، يمكن للمجتمع المدني التأثير عبر عدة وسائل منها على سبيل المثال:

  • تعبئة الرأي العام المحلي والدولي.
  • فضح انتهاكات حقوق الإنسان، خاصة الموجهة ضد الشباب.
  • خلق تحالفات إقليمية ودولية لدعم وقف استغلال الشباب في الحرب.

 بناء تحالفات شبابية عابرة للانتماءات

السؤال 3: كيف يبني المستقلون تحالفات عابرة للمناطق والانتماءات لوقف الحرب؟ وما العقبات التي تواجه هذا المسار؟

عملية البناء يمكن ان يبدأ من الاتي:

  • شبكات الاتصال الرقمية التي تسمح بتجاوز الحواجز المكانية.
  • العمل المشترك في قضايا إنسانية كالإغاثة والتعليم والصحة وغيرها، لخلق روابط ثقة بين المكونات المختلفة.
  • صياغة ميثاق شبابي موحد يركز على القضايا المشتركة ويتجنب القضايا الخلافية في البداية.

العقبات الرئيسية:

  • الخطاب التحريضي والإعلام الموجه الذي يعمق الشكوك المتبادلة.
  • التباينات في الموارد والفرص بين مناطق السودان.
  • الخوف من الاختراق السياسي أو الأمني للمبادرات المستقلة.

ومع ذلك الحل يمكن ان يكمن في حماية استقلالية التحالفات وبناء آليات شفافة لاتخاذ القرار.

 دمج أجندة الشباب في مشروع وطني عابر للتقسيمات

السؤال 4: رغم الانقسامات، كيف يمكن دمج أجندة الشباب في مشروع وطني؟ وهل هي أقوى من الانقسامات أم رهينة لها؟

عملية دمج أجندة الشباب يحتاج الى آليات ويتطلب الاتي:

  • إدراج ممثلين شباب في جميع منصات الحوار الوطني.
  • مواءمة أجندة الشباب مع أولويات السلام والتنمية لضمان قبول أوسع.
  • إطلاق حملات توعية وطنية تسلط الضوء على قضايا الشباب بوصفها قضايا وطنية.

وفي هذا الإطار يمكن استصحاب قرار مجلس الأمن رقم 2250 – سبتمبر 2015 والذي يمثل أول اعتراف رسمي من الأمم المتحدة بالدور المحوري للشباب في السلام والأمن، وفي سياق السودان الذي يشهد نزاعاً مسلحاً وتراجعاً حاداً في المساحات المدنية، تبرز أهمية هذا القرار كإطار مرجعي يمكن من خلاله تعزيز المشاركة المدنية للشباب.

ان أجندة الشباب تحمل قوة كامنة أكبر من الانقسامات، لأنها نابعة من معاناة شاملة لا تفرق بين إقليم وآخر، ولكن هذه القوة مهددة إذا تركت رهينة للاستقطاب السياسي أو الانقسام الجهوي.

  نحو مجتمع مدني متجدد

رغم التحديات البنيوية التي يعاني منها المجتمع المدني السوداني، من غموض المفهوم، وازدواجية الخطاب والممارسة، وضعف الهيكلة الديمقراطية، والاعتماد على التمويل الخارجي، إلا أن حيوية المجموعات الشبابية، وخبرات المقاومة المدنية، وإرث العمل التطوعي، تمنح فرصة تاريخية لإعادة بناء مشروع وطني يقوده الشباب، ويعيد للمجتمع المدني دوره كقوة أخلاقية وسياسية في مواجهة الحرب.

إذا تمكن الشباب من تجاوز العقبات التنظيمية والنفسية، وصياغة أجندة جامعة، وبناء تحالفات عابرة للانتماءات، فإن المجتمع المدني السوداني يمكن أن يتحول من ضحية للحرب إلى فاعل رئيسي في إيقافها.

محمد عبدالله إبراهيم

ناشط مدني ومدافع عن حقوق الانسان

12 أغسطس 2025 – كمبالا.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours