شكراً على شنو يا برهان؟ .. تغريدة ت�ضح تصدع الخطاب العسكري �ي زمن الحرب

Estimated read time 1 min read

شكراً على شنو يا برهان؟ .. تغريدة ت�ضح تصدع الخطاب العسكري �ي زمن الحرب

محمد عبدالله ابراهيم

mohammedabdalluh2000@gmail.com  

�ي لحظة تتشابك �يها خيوط المأساة السودانية، وتتراكم الانتهاكات وتحت ركام المدن المنهارة تتناثر جثث الضحايا، تبرز وسط هذا الخراب تغريدة على منصة “إكس� لل�ريق أول عبد ال�تاح البرهان، قائد الجيش، يوجه �يها شكره لسمو الأمير محمد بن سلمان وللرئيس دونالد ترامب.

هذا الشكر، الذي يبدو للوهلة الأولى إقراراً بالجميل أو ترحيباً بمسعى جديد، ليس �ي حقيقته سوى �ارقة وقحة تضع صاحبها �ي ق�ص الاتهام الأخلاقي والسياسي، وكأن الكلمات وحدها تك�ي لتغطية واقع� صنعته قراراته، ولم ي�هم السودانيون معنى هذا الامتنان ولا سببه، ليصبح السؤال الذي يطرح ن�سه �ي كل زاوية من زوايا الشارع السياسي .. ما الذي يدعو قائد الجيش السوداني إلى هذا الامتنان الم�اجئ؟ ولماذا الآن؟ وعلى ماذا تحديداً يقال هذا الشكر؟، خاصة أنها جاءت عقب تصريح ترامب باستعداده للتدخل “بطلب من ولي العهد السعودي� للمساعدة �ي حل الأزمة السودانية؟

تأتي تغريدة البرهان �ي وقت لم يعلن �يه أي من الرجلين لا الأمير محمد بن سلمان ولا الرئيس ترامب، عن أي خطوة جديدة تتجاوز المواق� السابقة، وهي الدعوة المستمرة لوق� الحرب والجلوس إلى طاولة الت�اوض، وهذه الدعوة ليست مبادرات جديدة، بل صدى لمواق� سبق وأن ر�ضها البرهان وو�ده العسكري بإصرار لا يخلو من عناد سياسي أعمى.

منذ بداية الحرب، بادرت المملكة العربية السعودية بقيادة الأمير محمد بن سلمان إلى إطلاق “منبر جدة”ØŒ محاولة جمع أطراÙ� الصراع حول رؤية واضحة لإيقاÙ� القتال، وحماية المدنيين، وإعادة السودان إلى مسار سياسي قابل للحياة. لكن ردة Ù�عل الجيش لم تكن سوى تعطيل ورÙ�ض وانسحاب متكرر، وبلغ الأمر ذروته عندما أطلق مالك عقار، نائب البرهان، عبارته التي أصبحت شاهداً على تلك الحقبة .. “لا جدة لا جدادةâ€�ØŒ لتكون إعلاناً صريحاً عن تمسك القيادة العسكرية بخيار الحرب مهما كان الثمن، ورÙ�ضاً Ù�اقعاً لكل مسار يهدÙ� إلى إنقاذ البلاد من الانهيار.

وتطورت الوساطات من “منبر جدة� إلى الرباعية، ثم إلى مبادرات متعددة أبرزها “منبر جني��، لكنها جميعاً اصطدمت بالتعنت والتمسك الأعمى للجيش بالسلطة، وكان الر�ض العسكري المستمر ينس� أي إمكانية للحل، ويؤكد التمسك بوهم النصر الكامل عبر الحرب، وكأن الدم هو الطريق الوحيد للحكم.

وبين “جدة” والرباعية ومنبر جنيÙ�ØŒ ظل موقÙ� الجيش غير واضحاً مع رÙ�ض لكل مبادرة لا تضمن استمرار الحرب أو تكريس وضع يمنح المؤسسة العسكرية سلطة مطلقة، ولم يترك أي مسار تÙ�اوضي إلا وتمت مواجهته بالغياب أو الانسحاب أو التشكيك، وهكذا تحولت الوساطات الدولية إلى أرشيÙ� محاولات Ù�اشلة، ليس بسبب ضعÙ�ها، بل بسبب غياب الإرادة السياسية لدى قيادة الجيش، التي اصلاً لا تملك قرار السلم والحرب، وإنما ترضخ لأجندات Ù�لول الإسلاميين Ù�ÙŠ الحركة الإسلامية ونظام المؤتمر الوطني المباد.

و�ي ضوء هذا التاريخ القريب، يصبح السؤال المشروع .. “شكراً على شنو يا البرهان؟� هل أعلن الأمير محمد بن سلمان مبادرة جديدة؟ هل طرح الرئيس ترامب خطة مختل�ة؟ هل تغير شيء �ي جوهر الموق� الدولي الذي ظل يطالب بوق� الحرب بينما ظل البرهان يصر على استمرارها؟ أم إننا أمام مشهد جديد يحاول �يه قائد الجيش إعادة تموضعه بعد أن أدرك حجم المأزق الذي د�ع السودان إليه؟ إذا كان الشكر متعلقاً بتعهدات وق� القتال، �قد كانت جدة تؤدي الدور ذاته ور�ضها الجيش، وإذا كان الشكر المقصود دعماً سياسياً أو عسكرياً، �إن ذلك لا ي�سر سوى أن القيادة العسكرية تبحث عن شرعية خارجية بعدما أحرقت كل جسور التسوية.

 Ø¥Ù† تغريدة قائد الجيش، البرهان، لا تخلو من دلالات خطيرة، أبرزها محاولة القيادة العسكرية تهيئة الرأي العام لمرحلة جديدة من التÙ�اوض أو التنازلات، لكنها تÙ�عل ذلك بطريقة تظهر انÙ�صالها الكامل عن الواقع. Ù�كيÙ� يمكن لمن رÙ�ض كل جهود السلام أن يشكر اليوم أصحابها؟ وكيÙ� يمكن لمن أشعل الحرب أن يتحدث عن الذين يسعون لإطÙ�ائها وكأنه كان شريكاً Ù�ÙŠ المساعي ذاتها؟

إن الأزمة أعمق من مجرد تغريدة، وأكبر من كل محاولات التجميل السياسي. إنها أزمة �ي بنية القرار العسكري، أزمة تجعل من الشكر وسيلة لتبرير مواق� متناقضة، بدلاً من أن يكون الدم المس�وك سبباً لمراجعة الخيار العسكري. �وق� الحرب يحتاج إلى شجاعة أكبر بكثير من إشعالها .. إنها شجاعة الاعترا� بأن الخيارات العسكرية وصلت إلى طريق مسدود، وأن الوطن أهم من الكرسي، وأن السلام أهم من المكابرة، وأن السلطة التي تبنى �وق الجثث لا يمكن أن تستقر، وأن إنقاذ ما تبقى من السودان يتطلب الانسحاب من منطق القوة والقبول بحل سياسي يعيد السلطة إلى الشعب.

 Ù…Ù† يشعل النار لا يحق له ادعاء البطولة حين يتحدث عن إطÙ�ائها، ومن يختار طريق الحرب والخراب لا يمكنه أن يلبس ثوب الحكمة ولو كتب ألÙ� تغريدة. الأزمة ليست Ù�ÙŠ الشكر Ù†Ù�سه، بل Ù�ÙŠ الذهنية التي تحاول تحويل الهروب من المسؤولية إلى مناورة سياسية، ÙˆÙ�ÙŠ وهم أن الكلمات قادرة على محو الكوارث التي صنعتها القرارات العسكرية وأوصلت السودان إلى هذا المصير المظلم. وإذا كان البرهان يبحث عن شكر حقيقي، Ù�ليبدأ بوقÙ� الحرب، Ù�عندها Ù�قط يمكن للكلمات أن تحمل معنى، وللسودان أن يستعيد حقه Ù�ÙŠ الحياة.

إن واجب اللحظة التاريخية لا يحتمل تردداً أو الت�ا�اً حول عبارات المجاملة. �المأساة السودانية لم تعد نزاعاً سياسياً تقليدياً، بل تحولت إلى مأزق وجودي ي�رض وق�ة ضمير قبل أي حسابات أو مناورات سياسية، ووق� الحرب يحتاج إلى شجاعة أكبر من إشعالها، وهذه الشجاعة لم يظهرها البرهان يوماً، والسودان اليوم ينز� من كل الجهات، مدنه تنهار، وشعبه يعيش أكبر مأساة �ي تاريخه الحديث، والدولة ت�قد مؤسساتها كما ي�قد الجسد أطرا�ه، �يما لا تزال القيادة العسكرية غارقة �ي مراوغات مضنية وتغريدات مبهمة لا توق� الانهيار ولا تخ�� وطأة الكارثة.

السودان اليوم يحتاج إلى قرارات لا تغريدات، قرارات شجاعة توق� القتل الوحشي، وتعيد الدولة إلى مسارها الصحيح، وتضع نهاية لحرب د�عت ثمنها أرواح الأبرياء، والبلاد تحتاج إلى سلام شامل ودائم لا يتبدد عند أول اجتماع، ومستقبلاً لا يبنى على الرماد، وحكومة مدنية تحكم بإرادة الشعب لا بقوة المدا�ع.

وليس هناك ما يمكن أن ينقذ هذا البلد سوى وق� الحرب �وراً .. يجب وق� القتل ونزي� الدم، ووق� التشريد، ووق� تدمير ما تبقى من مؤسسات الدولة، واستعادة المسار المدني الديمقراطي، وعودة السلطة إلى الشعب، لا إلى جنرالات لا يرون �ي السلطة إلا سلاحاً جديداً .. الشعب وحده قادر على حمل الشرعية الأخلاقية والسياسية، وهو وحده الطريق إلى الخلاص الحقيقي من هذا الجحيم العبثي، والطريق الوحيد لقيادة البلاد نحو مستقبل قابل للحياة.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours