السيادة أم الحياة؟ .. تأملات �ي حديث مالك عقار والإنسانية الم�قودة وسط سياسات الخراب

Estimated read time 1 min read

السيادة أم الحياة؟ .. تأملات �ي حديث مالك عقار والإنسانية الم�قودة وسط سياسات الخراب

محمد عبدالله

mohammedabdalluh2000@gmail.com

لم أكن أعتزم التعليق على ما خطه السيد مالك عقار، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان ونائب رئيس مجلس السيادة، �ي ص�حته على �يسبوك، لولا منشورا كتبه أحد الر�اق تعليقاً على حديثه، وانا أعر� هذا الر�يق معر�ة شخصية، �هو ممن يجيدون قول شيء �ي العلن وإضمار نقيضه �ي السر، ولذلك وجدت ن�سي أمام ضرورة أخلاقية و�كرية للإجابة.

Ù�الأسلوب الذي استخدمه ذلك الرÙ�يق، أسلوب غارق Ù�ÙŠ المديح الخالص، وهو يصÙ� ما كتبه عقار بأنه “مقال مهم”ØŒ وعدد خصاله من الجرأة والشجاعة والصدق، وقول الحقيقة بلا مواربة، غير أن هذا الأسلوب القديم Ù�ÙŠ تغليÙ� الولاء بالمديح، والمصنوع خصيصاً لإرضاء القادة، أصبح اليوم Ù�ÙŠ زمن الانÙ�تاح وتدÙ�Ù‚ المعلومات مثل هذا الخطاب مستهلكاً وبالياً لا قيمة له. خاصة انه لا يهدÙ� إلا إلى تثبيت رأي القائد وإرضائه، دون أن يجرؤ على نقده أو Ù„Ù�ت نظره إلى مواضع الخطأ أو النقاط التي أغÙ�لها، وهذا النمط كان شائعاً Ù�ÙŠ الحركة الشعبية، ويستخدمه كثيرون لإظهار الولاء والطاعة، لكنه Ù�ÙŠ الحقيقة أسلوب يضلل القادة أنÙ�سهم، خصوصاً أولئك الذين يتخذون قراراتهم استناداً إلى القيل والقال.

 ÙƒØ§Ù† على الرÙ�يق، إن أراد الإنصاÙ�ØŒ أن ينبه عقار إلى أن حديثه لا يأخذ بوصÙ�Ù‡ رئيس الحركة الشعبية، بل بصÙ�ته الرجل الثاني Ù�ÙŠ الدولة، وممثلاً للحكومة، ومن ثم، Ù�إن اتهامه الخطير لتوم Ù�ليتشر بالتواطؤ Ù�ÙŠ الإبادة الجماعية Ù�ÙŠ دارÙ�ور ليس مجرد رأي عابر، ولا يقÙ� عن شخص واحد Ù�قط “توم Ù�ليتشر”ØŒ بل يطال ويمتد ليشمل مكتب الشؤون الإنسانية والأمم المتحدة كلها، وإذا كانت لدى الحكومة أي ملاحظات أو اعتراضات على زيارة Ù�ليتشر، Ù�إن واجبها كان أن تعبر عنها عبر القنوات الرسمية، وأن توجه خطاباً واضحاً ومهنياً إلى مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية وإلى الأمم المتحدة، بدلاً من إطلاق اتهامات عامة عبر منصات التواصل.

ثانياً: لأن مالك عقار اليوم لا يتحدث بص�ته رئيساً للحركة الشعبية �حسب، بل بص�ته ممثلاً للحكومة، خاصة �يما يكتبه أو يصرح به �ي القضايا المتعلقة بالشأن العام، وبالتالي الرجل يمثل صوتاً رسميا لحكومة الأمر الواقع �ي بورتسودان، وهو الرجل الثاني �ي الدولة كما عبر عن ذلك بن�سه، مما يجعل حديثه أبعد ما يكون عن مجرد رأي شخصي، بل تعبيراً صريحاً عن موق� حكومته ومسؤولياتها.

ومن هذا المنطلق يأتي هذا الرد، ليس على مالك عقار كشخص، بل على حكومة الأمر الواقع التي يبدو أن كلماته تعكس رؤيتها وتوجهاتها، هذا مع العلم بان الجميع يدرك أن هذه الحكومة التي استقرت بورتسودان هي سلطة غير شرعية، نتجت عن انقلاب، ولا تحظى باعترا� الاتحاد الإ�ريقي، وبالتالي لا شرعية لها دولياً أو إقليمياً، وهي حكومة متحال�ة مع �لول النظام الإسلامي البائد الذين أشعلوا الحرب، و�شلت �ي حماية المدنيين، بل ارتكبت انتهاكات جسيمة، ثم هربت إلى بورتسودان تاركة المواطنين �ي الخرطوم يواجهون الموت وال�وضى وحدهم.

وهذه الحكومة لا يعنيها المواطن بقدر ما يعنيها تثبيت بقائها، وتستند إلى دستور مزور، وتحاول إعادة تشكيل المشهد السياسي والإنساني و�ق مصالحها الضيقة، ولا تعبأ بملايين السودانيين الذين يواجهون ويلات الحرب والجوع وانعدام الأمن، و�ي ظل هذا الواقع المنهار، لا وجود لأي حكومة شرعية �ي السودان، ولا جهة تملك حق التحدث باسم الشعب السوداني، وكل حديث عن السيادة والوطنية تحت هذا الركام ليس سوى شعارات مخادعة تتهاوى أمام مأساة الملايين من المدنيين.

زيارة توم Ù�ليتشر، منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، لم تكن أكثر من محاولة لتقدير حجم الكارثة الإنسانية وتقييم الاحتياجات الإنسانية، ومسعى عاجل لإنقاذ ملايين الأرواح التي تنتظر الغذاء والدواء والمأوى Ù�ÙŠ بلد ÙŠÙ�يض بالألم، ويتآكله الجوع والمرض واليأس، وأي حديث يصور هذه الزيارة خارج هذا السياق ليست إلا مزايدة رخيصة، والسيادة التي تستخدم لإعاقة وصول الغذاء والدواء، واي قانون أو سلطة أو جهة تعيق وصول المساعدات إلى المواطنين المنكوبين لا تستحق الاحترام، ولا الاعتراÙ�ØŒ ويجب محاسبتها. Ù�لا أحد يملك حق استغلال شعار “السيادة” لتأجيل أو منع إنقاذ حياة المواطنين، وتبقى الإنسانية هي السيادة الحقيقية، والحق Ù�ÙŠ الحياة سابق على كل قوانين السلطة وذرائع الدولة.

وأي حديث عن “انتهاك السيادة” أمام معاناة الملايين ليس إلا لغواً Ù�ارغاً تغلÙ�Ù‡ الأكاذيب على حساب الحق الأبدي Ù�ÙŠ الحياة .. Ù�الإنسانية تعلو Ù�وق السياسة، والحق Ù�ÙŠ الحياة لا تعترضه قوانين مزورة ولا سلطات غير شرعية، بل إن الواجب الأخلاقي والإنساني يقتضي تجاوز كل من يقÙ� Ù�ÙŠ طريق الإنقاذ والمساعدة، لا سيما Ù�ÙŠ ظل هذه المأساة، يصبح التذرع بـ”السيادة” أمراً مضحكاً ومؤسÙ�اً Ù�ÙŠ آن معاً.

 Ù…ا ورد Ù�ÙŠ حديث مالك عقار عن الإبادة الجماعية Ù�ÙŠ دارÙ�ور بين 2003 Ùˆ2005 يحتاج إلى تصحيح تاريخي وموضوعي. Ù�العنÙ� والانتهاكات لم تكن حكراً على الدعم السريع وحده؛ بل كانت نتاجاً مباشراً لسياسات نظام المؤتمر الوطني المخلوع، الذي أسقطه الشعب Ù�ÙŠ ثورة ديسمبر 2019ØŒ وهو Ù†Ù�سه النظام الذي مهد وأشعل حرب 15 أبريل 2023.

ويدرك مالك عقار قبل غيره أن الجرائم التي ارتكبت Ù�ÙŠ دارÙ�ور آنذاك لم تكن عمل جماعة منÙ�ردة، بل هي إرث لنظام المؤتمر الوطني المحلول واذرعه الأمنية والعسكرية، ونهج سلطوي للنظام اتخذ من “الحرب ÙˆÙ�رق تسد” وسيلة لإخضاع المجتمعات ليس Ù�ÙŠ دارÙ�ور Ù�قط وانما Ù�ÙŠ كاÙ�Ø© بقاع السودان بما Ù�ÙŠ ذلك النيل الأزرق وجبال النوبة وجنوب كردÙ�ان.

وقد كان قادة النظام البائد، ومن بينهم عبد ال�تاح البرهان، قائد الجيش ورئيس مالك عقار اليوم، جزءاً أصيلاً من هندسة تلك السياسات، ومن عمليات التعبئة والتسليح التي مزقت النسيج الاجتماعي وأنتجت موجات هائلة من العن� والدمار والخراب بما �ي ذلك النزوح ومعاناة المواطنين، عبر عمليات ممنهجة من القتل والحرق والتهجير والابادة والنزوح القسري، والدعم السريع لم يكن سوى أداة ضمن منظومة أكبر صاغتها السلطة المركزية آنذاك، وهذه حقائق يعر�ها مالك عقار معر�ة شخصية، بحكم تجربته الطويلة �ي الك�اح المسلح �ي ص�و� الحركة الشعبية لتحرير السودان، وبحكم اتصاله المباشر بالضحايا الذين عانوا من تلك السياسات وتبعاتها خاصة �ي جنوب السودان والنيل الأزرق وجنوب كرد�ان.

 Ø¥Ù† المÙ�ارقة الأكثر إيلاماً Ù�ÙŠ مشهد اليوم هي أن النظام الذي يتحالÙ� معه مالك عقار ويحمي قياداته هو ذاته النظام الذي ارتكب المجازر Ù�ÙŠ دارÙ�ور وكردÙ�ان والنيل الأزرق، وهو النظام الذي ما تزال تطارده أوامر قبض صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق عدد من رموزه المتهمين بجرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية، وهذه حقائق لا يمكن لعقار تجاهلها أو القÙ�ز Ù�وقها، لأنه يعرÙ�ها معرÙ�Ø© اليقين.

وإذا كان مالك عقار، كما قيل عنه، صاحب جرأة وشجاعة، �إن اختبار هذه الشجاعة يبدأ من هنا .. من موق�ه تجاه تسليم رموز النظام البائد المطلوبين للعدالة الدولية، ومن قدرته على مواجهة إرث النظام الذي يق� معه اليوم .. �الشجاعة ليست خطاباً، ولا بيانات منمقة، بل �عل يثبت اتساق المبدأ مع الموق�، والقول مع الحقيقة.

ولذلك Ù�إن السؤال الحقيقي الذي يطرح Ù†Ù�سه .. هل يملك عقار شجاعة المطالبة بتسليم قادة النظام البائد إلى المحكمة الجنائية الدولية؟ أم سيظل يمارس ازدواجية المعايير Ù†Ù�سها، حيث يتحول السكوت إلى تواطؤ، Ùˆ”الحياد” إلى غطاء يبرر الإÙ�لات من العقاب؟

ما يقوله السيد مالك عقار اليوم لا يبدو سوى محاولة لتبييض تاريخ� دموي وإعادة تلميع إرث نظام مجرم يتحال� معه الآن، عبر إلقاء العبء الأخلاقي والسياسي على الآخرين بطريقة مضللة ومختلة، ونحن لا ننكر ارتكاب الدعم السريع جرائم �ادحة، ولا يختل� اثنان على ذلك، لكن اختزال كل المأساة �ي طر� واحد هو تزوير للحقائق، ومحاولة لطمس أن جذور تلك الجرائم تمتد عميقاً �ي سجل النظام الذي أشعل الحرب واحتضن الجنجويد وصنع بيئة العن� التي ان�جر منها كل هذا الخراب.

وجرائم نظام المؤتمر الوطني واجهزته الأمنية والعسكرية ليست حوادث عارضة، بل حلقات متصلة �ي سلسلة طويلة من الانتهاكات الممنهجة التي طالت كل أبناء السودان؛ من دار�ور إلى النيل الأزرق، ومن جبال النوبة إلى الخرطوم، وغيرها وهي جرائم ما تزال مستمرة وترتكب حتى لحظتنا هذه .. بما �ي ذلك إشعال حرب 15 ابريل وقتل المدنيين وتهجير الملايين، وعرقلة المساعدات الإنسانية، بل واستهدا� القوا�ل والمنظمات والعاملين الإنسانيين أن�سهم، وكل هدنة أو مبادرة مقترحه لإنقاذ أرواح المواطنين بما �يها الهدنة الأخيرة المقترحة من الولايات المتحدة، كانت تجهَض �ي كل مرة على يد ذات المنظومة التي يحاول عقار اليوم منحها غطاء سياسياً وأخلاقياً .. ولذلك �إن تحميل الدعم السريع وحده وزر المأساة هو هروب من الحقيقة ومسعى لتبرئة شركاء الجريمة الذين ما زالوا يواصلون الحرب ويعمقون الكارثة.

وبهذا المعنى، كل الجرائم التي ذكرها السيد عقار، والتي ارتكبت ضد الشعب السوداني �ي هذه الحرب هو شريك أساسي �يها، هو الرجل الثاني �ي الدولة، وبالتالي هو مسؤول مسئولية مباشرة عنها، بما �ي ذلك استهدا� قوا�ل الإغاثة وقتل العاملين �يها، بالإضا�ة الى سرقتها وبيعها �ي السوق من بورتسودان الى النيل الأزرق، وما يعكسه �ي حديثه حول “زيارة �ليتشر� ليس أكثر من تبرير سياسي للجرائم التي ترتكب تحت قيادته ودعمه.

 ÙŠØ¨Ù‚Ù‰ السؤال الذي ÙŠÙ�رض Ù†Ù�سه .. هل يتذكر السيد مالك عقار أيام نضاله Ù�ÙŠ صÙ�ÙˆÙ� الحركة الشعبية، وكيÙ� كانت المساعدات الإنسانية تصل إلى المدنيين Ù�ÙŠ مناطق سيطرتها؟ .. وهل كان ذلك تواطؤاً أيضاً؟ .. وهل كان سيجرؤ على وصÙ� زيارة إنسانية كتلك التي قام بها توم Ù�ليتشر بأنها “انتهاك للسيادة” لو لم يدر ظهره لمبادئه الأولى وينقلب على ما كان يداÙ�ع عنه يوماً؟

و�ي النهاية، يبقى السؤال الأعمق والأصدق .. هل تستخدم السيادة الوطنية ذريعة لإعاقة حياة المواطنين؟ أم أن الإنسانية وحدها هي السيادة الحقيقية التي لا يعلو �وقها شعار سياسي ولا خطاب سلطوي؟

زيارة توم �ليتشر لم تكن سوى محاولة خالصة لإنقاذ حياة الملايين، و�رصة لإيقاظ ضمائر الذين نسوا أو تناسوا أن الإنسان هو الغاية، وأن جوهر كل سياسة هو حماية الحياة لا المتاجرة بها، وإنها تذكير بأن لا شرعية تعلو �وق وجع الجائع، ولا سيادة تقدم ذريعة أمام ط�ل ينتظر لقمته او دواءه، ولا خطاب سياسي يملك الحق �ي الوقو� بين الناس وبين حقهم �ي الحياة والبقاء.

أيها السيد عقار، أيها الحاكم بالاسم لا بالحق .. الإنسانية أسمى واعظم من اي منصب، والحق �ي الحياة أقدس من أي شعار، وأقوى من أي تحال�، وأغلى من كل ما يسمى شرعية اليوم �ي بورتسودان .. �ليكن �ي علمكم أن أي حديث عن السيادة أو الوطنية يصبح بلا قيمة أمام وجوه الجوعى والمرضى والمشردين الذين ينتظرون رحمة الإنسانية قبل أي خطاب سياسي.

�ي هذا العالم، تبقى الإنسانية القاعدة الذهبية، والحق �ي الحياة القانون الأعلى، والضمير الحي الحكم النهائي .. وما لم نضع هذا المبدأ نصب أعيننا، ستظل الكلمات، مهما علا شأنها الرسمي أو السياسي، مجرد صدى خاوي �ي �ضاء الخراب الذي خل�ته السياسات ال�اسدة والتحال�ات المشوهة.

وتبقى الحقيقة البسيطة أن السيادة الوطنية لا يمكن أن تتحول إلى حجر يثقل صدور المواطنين، ولا يمكن أن تستخدم ذريعة لتبرير تعطيل واعاقة حياة الأبرياء .. �الإنسانية هي السيادة الحقيقية، والواجب الأخلاقي والسياسي للقيادات الحقيقية هو حماية الأرواح قبل حماية المصالح .. والتاريخ لن يرحم من اختار التواطؤ على التضامن، أو الكراهية على الرحمة .. والسودان اليوم بحاجة إلى قيادات تدرك وت�هم أن الإنسانية �وق كل شيء، وأن الحق �ي الحياة ليس خياراً، بل واجب مقدس، وسبيل لإعادة بناء الوطن بعد سنوات من الحرب والخراب وال�وضى والانقسامات.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours