وصمة �ي جبين التاريخ: مأساة النساء الجنوبيات وامتحان الضمير السوداني .. أين السيد مالك عقار؟

Estimated read time 0 min read

وصمة �ي جبين التاريخ: مأساة النساء الجنوبيات وامتحان الضمير السوداني .. أين السيد مالك عقار؟

محمد عبدالله إبراهيم

Ù�ÙŠ زمن تتقاذÙ� Ù�يه الأمواج العاتية سÙ�ينة الوطن، وتتكسر على صخور الحرب كرامة الإنسان، تأتي حادثة ترحيل النساء الجنوب سودانيات بواسطة سلطات الأمر الواقع Ù�ÙŠ بورتسودان، بدعوى أنهن “أجنبيات”. لا كعائدات إلى الديار، بل كمطرودات من حضن كان يوماً بيتاً لهن. وهن لم يحملن سوى الدهشة والخذلان، والوجع الذي لا تسعه الكلمات لتشكل وصمة عار جديدة Ù�ÙŠ جبين من تبقى من ضمير هذه البلاد، وتمثل شهادة دامغة على أن أعتى الانتهاكات لا تزال تمارس ضد الابرياء، وهي جريمة مكتملة الأركان، تجسد انهيار القيم الإنسانية أمام جبروت السلطة، وصمت من ÙŠÙ�ترض أنهم حملوا يوماً راية النضال من أجل الكرامة والحرية.

لقد كش�ت شهادات النساء المرحلات التي وثقها الصح�ي مايكل كريستو�ر، عن �صول مأساوية تليق بأسوأ �صول الظلم. �من ركل الأبواب إلى المداهمات الليلية، إلى الكذب والخداع، وصولاً إلى الحراسة القسرية، ثم الإجبار على الصعود إلى حا�لات الترحيل دون أط�الهن أو ممتلكاتهن، وكل خطوة من هذه العملية أعادت للأذهان أسوأ �صول الأنظمة الشمولية التي لا تقيم وزناً لكرامة الإنسان.

لكن أكثر ما يدمي القلوب هو Ù�صل الأمهات عن أطÙ�الهن .. أن تنتزع الأم من بين صغارها وتلقى Ù�ÙŠ المجهول، بينما يترك أطÙ�الها خلÙ�ها، Ù�ذلك ليس مجرد خطأ إداري، بل جريمة إنسانية بكل المقاييس، وحين تقول سلطة الأمر الواقع لهن “ما عندكن شغلة بأولادكن”ØŒ Ù�إنها تختزل كل معاني القسوة واللا إنسانية، وتعلن رسمياً موت الإنسانية Ù�ÙŠ دواوينها، وتكشÙ� الوجه الحقيقي لسلطة لا تعرÙ� سوى لغة الإهانة والإقصاء، ولم ترث من تاريخ السودان الطويل سوى أسوأ ممارساته Ù�ÙŠ التنكيل والتهميش.

قال مندوب حكومة بورتسودان، الملازم علي صالح بلال، المكلÙ� بمهمة ترحيل النساء، إن ما جرى تمّ ÙˆÙ�Ù‚ “توجيهات إدارة شؤون الأجانب. غير أن كلماته كانت تخÙ�ÙŠ وراءها عاراً إنسانياً Ù�ادحاً .. Ù�كيÙ� يمكن لتوجيه إداري أن يبرر اقتلاع أم من أبنائها؟ وكيÙ� يقاس الأمن بمعاناة النساء والأطÙ�ال؟

أما مسؤول حكومة جنوب السودان Ù�قد تحدث بمرارة لا تخÙ�ى، قائلاً إنهم لم ÙŠÙ�اجأوا بهذا السلوك، Ù�قد سبقته حملات “كشات” مشابهة Ù�ÙŠ وقت سابق، وأضاÙ� أن من بين النساء المرحلات (111) امرأة لهن أطÙ�ال ما زالوا Ù�ÙŠ السودان .. يا للعار .. ويا للهول!! أي قلب بشري يستطيع احتمال هذا الرقم؟ Ø£Ù�مهات تنزع من Ù�لذات أكبادهن، وكأن الأمومة تهمة أخرى Ù�ÙŠ سجل الاضطهاد.

روت إحدى النساء، بصوت متقطع بين البكاء والذهول، أن Ø£Ù�راد الشرطة لم يطرقوا الباب، بل ركلوه بعنÙ�ØŒ كأنهم يقتحمون كهÙ�اً للوحوش لا بيتاً لإنسانة تحمل Ù�ÙŠ صدرها قلب أم. قالوا لها: “أنت جنوبية”ØŒ وكأنها اعترÙ�ت بجريمة لا تغتÙ�ر. ثم قبضوا عليها وعلى أخريات، واقتادوهن بحجة استخراج بطاقات، لكنهم زجوا بهن Ù�ÙŠ الحراسة، ÙˆÙ�ÙŠ صباح اليوم التالي، Ø£Ù�جبرن على الصعود إلى حاÙ�لات الترحيل، يتركن خلÙ�هن أطÙ�الاً تائهين لا يعلم أحد مصيرهم.

هؤلاء النساء، اللواتي Ù�ررن Ù�ÙŠ وقت سابق من ويلات الحرب Ù�ÙŠ بلدانهن بحثاً عن الأمان، وجدن أنÙ�سهن الآن Ù�ÙŠ مواجهة حرب جديدة بأدوات قديمة .. “القمع والتمييز والاستهانة بآدميتهن”. إنه السلوك ذاته الذي مارسته أجهزة الدولة السودانية ضد مواطنيها لعقود .. سلوك لا يكترث بالإنسانية ولا يدرك حجم المعاناة والظروÙ� المعقدة التي يعيشها السودان اليوم .. إنها مأساة مزدوجة Ù�ÙŠ بلد أنهكته الحروب وأÙ�قدته بوصلته الأخلاقية والإنسانية.

ما جرى يعد وصمة �ي جبين الإنسانية، وسقوط أخلاقي وسياسي مدو� لسلطات تزعم أنها حارسة للوطن .. �أي وطن هذا الذي يرحل النساء بلا رحمة ويترك الأط�ال �ي العراء؟ .. وأي حكومة تلك التي تصمت أمام هذه ال�ظاعة وكأن الضمير قد هاجر هو الآخر من البلاد؟

وسط هذا المشهد .. أين أنت يا السيد مالك عقار؟

مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة، الرجل الذي يصÙ� Ù†Ù�سه بأنه “الرجل الثاني Ù�ÙŠ الدولة”ØŒ وصاحب التاريخ الطويل Ù�ÙŠ صÙ�ÙˆÙ� الحركة الشعبية لتحرير السودان، تلك الحركة التي ولدت من رحم الظلم دÙ�اعاً عن العدالة والمساواة. كيÙ� تمر هذه الجريمة أمام عينيك دون موقÙ�ØŒ دون كلمة، ودون حتى إشارة تضامن؟

إنه لعار مضاعÙ� ان تكون صامتاً أمام هذه الإهانة .. انت لست مسؤولاً عادياً Ù�ÙŠ حكومة الأمر الواقع، بل تحمل على كتÙ�يك إرثاً ثقيلاً “نضالياً وثقاÙ�ياً” من العلاقة التاريخية والدم المشترك مع مواطني جنوب السودان، وحملت راية النضال معهم لأكثر من ثلاثة عقود. كيÙ� تقبل أن يهان أبناء الجنوب نساءً وأطÙ�الاً بهذه الطريقة المشينة.

هل وصل بك الأمر أن ترى هذا المشهد المأساوي يمر أمام عينيك دون أن تحرك ساكناً؟

هل تغير النضال؟ .. وهل صارت الكرامة الإنسانية أمراً ت�اوضياً، يسكت عنه حين يهدد المنصب؟

كي� تسمح، وأنت الأقرب إلى وجدان الجنوبيين وقياداتهم، أن يتم ترحيل هؤلاء النساء بهذه الطريقة المهينة، التي لا تحترم المواطن الجنوبي ولا حكومته؟، كما إن هذا السلوك لا يسيء �قط لسلطات بورتسودان، بل يسيء إليك شخصياً، وإلى كل ما مثلته الحركة الشعبية من قيم.

كي� سمحت أن يساق الجنوبيات بتلك الطريقة المهينة؟

وكي� قبلت أن يقال إن الشرطة داهمت المنازل وركلت الأبواب، ثم زجت بالأمهات �ي السجون ثم الحا�لات نحو المجهول، بينما أط�الهن يصرخون �ي شوارع الخرطوم؟ .. ألم يكن �يك بقية من الذاكرة حين أقسمت يوماً أن تحمي كرامة الإنسان؟

إن هذا الصمت الذي يحيط بك اليوم ليس صمت الحكمة، بل صمت العجز والتواطؤ، وحتى وإن لم تكن أنت من أصدر القرار، �إن مسؤوليتك الأخلاقية والسياسية لا تسقط بالتقادم. كي� لرجل جلس يوماً إلى طاولة التاريخ أن يشيح بوجهه عن هذه ال�اجعة الإنسانية، وكأنها شأن عابر لا يستحق التعليق ولا حتى نظرة ضمير؟

لم يتوق� الأمر عندك وحدك، بل امتد ليشمل حاكم النيل الأزرق أحمد العمدة، وقيادات الحركة الشعبية التي غاصت �ي وحل السلطة حتى النخاع. صمتوا جميعاً، بينما كانت نساء الجنوب يرحلن كما ترحل البضائع، دون أدنى احترام لإنسانيتهن أو أمومتهن، ولم تصدر الحركة بياناً واحداً .. لا من باب الشر� النضالي، ولا من باب الو�اء لتاريخها الطويل، وكأنها لم تكن ذات يوم ضمير المقهورين، بل تحولت إلى بوق يص�ق لقرارات السلطة التي كانت تحاربها بالأمس .. �ما ال�رق إذن بين من ر�عوا السلاح ضد الظلم، ومن يمارسونه بصمتهم؟ وما ال�رق بين الطاغية الذي يأمر، والمناضل الذي يسكت؟

ما جرى للنساء الأمهات الجنوبيات ليس حادثاً إدارياً، بل خيانة رمزية لتاريخ كامل من النضال المشترك. Ù�حين تقتاد النساء بالقوة، وينزعن من بيوتهن وأطÙ�الهن، ولا يجدن كلمة تضامن من رجلÙ� قضى نصÙ� عمره يرÙ�ع شعارات الحرية والمساواة، Ù�إن القضية لم تعد قضية “إجراءات دولة”ØŒ بل قضية موقÙ� رجل انكسر أمام الكرسي، وما حدث يعيد إلى الأذهان سلوك الأنظمة الأمنية السودانية على مر العقود، تلك التي لم تعرÙ� سوى الإذلال، ولم تتقن سوى لغة القهر. لكنها هذه المرة لم تهن أبناءها Ù�حسب، بل تجاوزت ذلك لتهين ضيوÙ�اً تقاسمت معهم المأساة والدم، وشاركتهم ذات يوم حلم الوطن الواحد الحر، العادل، والكريم.

ولقد كان موقÙ�Ùƒ من مجازر “كنابي الجزيرة” ضد الجنوبيين سابقاً، حين وعدت بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق ثم خرس صوتك بعد ذلك، مؤشراً مقلقاً، واليوم يتكرر المشهد ذاته بصورة أكثر Ù�ظاعة وإيلاماً وسط صمت لا يليق برجل عاش نصÙ� عمره Ù�ÙŠ معسكرات النضال. إن هذا الانحدار لا يسيء إلى مالك عقار وحده، بل يدنس اسم الحركة الشعبية Ù†Ù�سها .. تلك الحركة التي كانت يوماً مرادÙ�اً للكرامة والعدالة، وصارت اليوم دمية Ù�ÙŠ دهاليز السلطة.

إن صمت مالك عقار ور�اقه اليوم هو نقض لمعنى النضال ن�سه، �المناصب مهما علت لا تبرر التخلي عن المبادئ، وما قيمة القيادة إذا لم تكن صوتاً للمظلومين، وما جدوى التاريخ إذا لم يلتزم صاحبه بالصدق حين يواجه المأساة؟ ولقد كان الأجدر بــ السيد مالك عقار، نائب الرئيس أن يخرج إلى العلن، ويعتذر للنساء الجنوبيات عما حدث لهن، ويعلن موق�اً متضامناً يح�ظ ما تبقى من ماء وجه الحركة الشعبية، لكن للأس� اختار الصمت، واختارت حركته المهادنة، �خسرا معاً شر� الموق�، وكسبا خزياً لن يمحوه البيان ولا الزمان.

ويا للسخرية!! .. كم من مناضل تحول حين ذاق طعم السلطة إلى بيروقراطي يبرر الإهانة والظلم، ويخشى أن يهتز كرسيه إذا قال كلمة حق، وتبا لتلك المناصب التي تجعل من المبادئ التاريخية أداة Ù�ÙŠ يد الجلاد، وتحول الثورة إلى ديكور Ù�ÙŠ مكاتب الدولة، والحركة الشعبية لم تخلق لتكون ذيلاً لسلطة غارقة Ù�ÙŠ الÙ�ساد والقتل، ولا لتبرر القهر باسم “المناصب او التوازنات”ØŒ Ù�قد ولدت من رحم الظلم لتقول “لا”ØŒ Ù�كيÙ� تسكت اليوم أمام أكبر صور الظلم والإهانة؟

إن المناصب يا سيدي نائب الرئيس مالك عقار، زائلة ولكن المبادئ خالدة، وهذا الموق� الذي لا يمكن وص�ه إلا بأنه جبان ومخجل وغير إنساني، يؤكد أن المناصب قد غيرت المواق� والمبادئ، وأصبحت الحركة الشعبية بتاريخها النضالي العريق، مجرد دمية صامتة �ي أيدي من هم السبب الرئيسي �ي كل الكوارث والحروب التي تعص� بالسودان.

سيكتب التاريخ ذات يوم أن نساءً أمهات من جنوب السودان طردن من بيوت كنّ يعتقدن أنها وطن لهن، وأن رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، ونائب رئيس الدولة يدعى مالك عقار، كان هناك .. ورغم نضاله الطويل ضد الظلم والتهميش، ومن اجل الحرية والعدالة والكرامة الانسانية، ولكنه لم يقل شيئاً .. وساعتها لن تغني الألقاب ولا الشعارات عن الحقيقة المرة .. أن الصمت حين يكون بوسعك أن تتكلم هو خيانة للإنسانية وللنضال وللتاريخ.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours