سكرتير سياسي ضابط Ù�ÙŠ الأمن: من مشروع السودان الجديد إلى أيديولوجيا “البزة” .. مأزق حركة سقطت Ù�ÙŠ متاهات العسكر (1-10)

Estimated read time 1 min read

سكرتير سياسي ضابط Ù�ÙŠ الأمن: من مشروع السودان الجديد إلى أيديولوجيا “البزة” .. مأزق حركة سقطت Ù�ÙŠ متاهات العسكر (1-10)

محمد عبدالله

Ù�ÙŠ Ù…Ù�ترقات التاريخ الكبرى، ثمة لحظات تتعرى Ù�يها الوجوه، وتتهاوى الأقنعة، وتتكشÙ� خيانات المعنى قبل خيانات الأÙ�راد، وهناك Ù�ÙŠ لحظة الحقيقة تنقلب الثورات على أحلامها، وتتحول من نداء للتحرر إلى أداة Ù�ÙŠ يد الطغاة، وليست هذه Ù�صلاً عابراً Ù�ÙŠ مأساة سودانية متكررة، بل هي رثاء مر لحلم كان يمكن أن يكون خلاصاً للسودانيين .. “حلم السودان الجديد”ØŒ الذي خرج من رحم المعاناة والتهميش، ونبت من تربة ارتوت بدماء آلاÙ� الشهداء والمناضلين الذين صدقوا الوعد ومضوا نحو Ù�جر العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.

غير أن الحلم اليوم، يقÙ� على حاÙ�Ø© الهاوية، يطوقه الخذلان من كل صوب، وتبيعه قيادة ضلت الطريق، Ù�استبدلت مبادئ التحرير بأوهام السلطة، واستعاضت عن وهج الثورة ببرودة المكاتب وموائد المساومة، وتحولت من مشعل للأمل إلى ترس صغير Ù�ÙŠ ماكينة القمع العتيقة التي خرجت الثورة يوماً لتحطيمها، وهكذا لم يسقط الحلم وحده، بل سقطت معه القيم التي من أجلها ولدت الحركة الشعبية، وصار السودان الجديد رؤية مؤجلة تنتظر من يوقظها من سباتها، ويعيد إليها معناها الأول .. “معنى الحرية حين تكون مشروعاً للكرامة، لا سلعة Ù�ÙŠ سوق السياسة”.

إن أخطر ما يصيب الحركات التي ولدت من رحم المقاومة، ليس بطش أعدائها، بل خيانة بعض أبنائها الذين ي�رغونها من معناها وهم يتحدثون باسمها. هؤلاء لا يكت�ون بتشويه التاريخ، بل يسرقون المستقبل أيضاً، ويعتلون المنابر بأقنعة الثوار، بينما تمتلئ جيوبهم بص�قات مشبوهة، ويتحدثون عن الشعب وهم يقتاتون على معاناته، ويتحولون من دعاة للتغيير إلى وكلاء للاستبداد، ومن جنود �ي معركة المبادئ إلى سماسرة �ي سوق الولاءات السياسية.

وهنا تتجلى المأساة الكبرى Ù�ÙŠ الحركة الشعبية – قيادة مالك عقار، التي لم تسقط Ù�قط Ù�ÙŠ امتحان المبادئ، بل سمحت أن يتحول مشروعها التحرري إلى غطاء لأطماعÙ� شخصية تدار من وراء الشعارات، وتÙ�موَّه بخطاب أجوÙ� عن السلام والعدالة. إنها المÙ�ارقة التي تلخص سقوط الÙ�كرة حين ÙŠÙ�رغها حملتها من روحها، وحين يختزل التاريخ Ù†Ù�سه Ù�ÙŠ صÙ�قة وتباع الأحلام على موائد السياسة باسم السودان الجديد. عندها تتحول الثورة ذاتها إلى مسرحÙ� للخيبة، ومختبر للانتهازية بأقسى صورها، وإلى “بزنسâ€� قذر تديره شهوة السلطة وتغذيه غريزة البقاء على كراسي النÙ�وذ.

إنها قصة الحركة الشعبية لتحرير السودان – قيادة مالك عقار، التي انحرÙ�ت عن مسارها الثوري لتسقط Ù�ÙŠ أحضان أيديولوجيا البزة العسكرية، ولم يكن هذا السقوط حدثاً عابراً، بل تتويجاً لمسار طويل من التنازلات المبدئية والانتهازية السياسية، حيث تآكل المشروع من الداخل قبل أن يجهز عليه الخارج، وقد تجسد هذا الانحراÙ� Ù�ÙŠ مشهد Ù�اضحÙ� ومؤلم، حين عين الرشيد أنور، ضابط الأمن برتبة رائد ليس Ù�ÙŠ الحركة الشعبية، وانما Ù�ÙŠ جهاز المخابرات العامة للدولة، سكرتيراً سياسياً للحركة .. Ù�ÙŠ Ù…Ù�ارقة تختزل كل ما آل إليه المشروع من انقلاب Ù�ÙŠ المعاني والمواقÙ�ØŒ ومن انحدار من منطق الثورة إلى ذهنية السلطة.

إن هذا التعيين لا يمكن اعتباره مجرد خطأ تنظيمي أو سوء تقدير سياسي، بل هو إعلان صريح عن نهاية مرحلة وبداية أخرى؛ مرحلة تخلت �يها الحركة عن جوهرها الثوري، لتدخل طوعاً �ي كن� العسكرة والتبعية الأمنية للجلاد، ولقد شكل اختيار ضابط �ي جهاز المخابرات سكرتيراً سياسياً للحركة انقلاباً على الذاكرة والمبدأ معاً، إذ لم يعد المعيار هو الإيمان بالمشروع أو الانتماء لقيم التحرير، بل التبعية الى الدوائر الامنية للسلطة.

ومن هنا بدأ التحول العميق .. من حركة كانت تصوغ خطابها �ي الميدان بين المهمشين والمناضلين، إلى حركة تدار قراراتها �ي مكاتب أمن الدولة، وتكتب بياناتها بمداد الخو� والمصالح، وهذا التحول بمثابة إعلان غير مكتوب بأن مشروع الحركة انتهت، حين استبدلت الحركة الثورية بالبطاقة الأمنية، والإيمان بالمشروع بص�قات الولاء، وبهذا التعيين لا يمثل الرشيد أنور �ي موقعه الجديد مجرد شخص بعينه، بل يجسد عقيدة جديدة تسللت إلى جسد وروح الحركة .. عقيدة ترى �ي الولاء للمؤسسة الأمنية ضماناً للبقاء، ولو على حساب المبادئ التي من أجلها سالت الدماء.

هنا تتجلى الم�ارقة �ي أبشع صورها .. كي� لحركة تنظيماً سياسياً قائماً على مبدأ التحرر أن تضع على رأس جهازها السياسي ضابطاً يأتمر بأوامر مؤسسة أمنية تعد من أركان الدولة القديمة، تلك الدولة التي ناضلت الحركة عقوداً من أجل ت�كيكها؟ وكي� لمن ر�عوا شعار التحرير أن يستسلموا طوعاً اليوم لسلطة البزة العسكرية، التي ثاروا ضدها بالأمس، متحولين من رموز للمقاومة إلى أدوات للتبعية؟

الرشيد أنور، الذي لم يكن يوماً ضابطاً �ي الجيش الشعبي لتحرير السودان، وجد طريقه إلى رتبة “رائد� عبر بوابة المحسوبية التي �تحها له مالك عقار، ليدمج لاحقاً �ي جهاز الأمن ضمن ترتيبات ات�اقية جوبا للسلام. هذا الرجل الذي يجسد تيار الانتهازية داخل الحركة أصبح اليوم واجهتها السياسية، �ي مشهد عبثي يختزل مأزق الحركة بأكملها.

حركة تخلت عن رؤية مؤسسها، الدكتور جون قرنق، رؤية السودان الجديد القائمة على بناء دولة جديدة تقوم على أسس المساواة والعدالة والوحدة الوطنية الطوعية، والاعترا� بالتعدد الثقا�ي والديني، وضمان الحرية والمساواة بين جميع المواطنين دون تمييز، وتطبيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وبناء نظام ديمقراطي تعددي و�صل الدين عن الدولة، وتحال�ت مع ذات الأيديولوجيا التي حاربتها لأكثر من أربعين عاماً، محولة المشروع التحرري إلى مجرد واجهة للسلطة والانتهازية، والحلم الوطني إلى صورة مقلوبة عن مبادئه الأصلية.

لقد تحولت الحركة من �اعل ثوري يهد� إلى تغيير الواقع، إلى أداة هزيلة �ي أيادي خصوم الأمس، تخدم مصالح ذاتية ضيقة لا علاقة لها بتضحيات الر�اق ولا بآمال المهمشين �ي شتى بقاع السودان، وبدل أن تكون صوتاً لمن لا صوت له، أصبحت صدى لأصوات العسكر، وبدل أن تر�ع لواء السودان الجديد، صارت تلوح براية أيديولوجيا البزة، معلنة بذلك سقوطها المدوي �ي متاهات العسكر وخيانتها العظمى لمشروعها التاريخي، وتحول حلم التحرر إلى مجرد مسرح� للسلطة والانتهازية.

وللمÙ�ارقات أن هذا السكرتير السياسي، أسس له مكتباً خاصاً Ù�ÙŠ مقر سكنه ببورتسودان، مكتباً Ù�خماً يدير Ù�يه اجتماعاته مع جهات وأشخاص لا علاقة لهم بالحركة الشعبية ولا بمشروع السودان الجديد، ومعظم ما يدار Ù�ÙŠ هذا المكتب هو عمليات “بزنس وتجارة خاصة” خارج إطار الحركة، وبعيداً عن المبادئ والقيم التي قامت عليها، ويقوم أساساً على استغلال ظروÙ� الحرب التي Ù�تحت أبواباً واسعة للÙ�ساد Ù�ÙŠ بورتسودان.

إن الم�ارقة تبلغ ذروتها عندما نرى أن قيادات الحركة ن�سها، بما �ي ذلك الأمينة العامة وم�وضة م�وضية العون الإنساني الاتحادي، تذهب إليه وتجتمع معه �ي مكتبه الخاص، متجاوزين بذلك مكتب مالك عقار الرسمي .. كي� لشخص يعمل مديراً لمكتب قيادي أن ي�تح مكتباً خاصاً له يدير �يه أعماله الخاصة؟، هذا التناقض لا يكش� �قط عن �ساد إداري، بل عن إدارة خ�ية للأمور، وغياب تام للش�ا�ية والالتزام بالمبادئ، مما يعكس مأزق الحركة الداخلي وانحرا�ها الكامل، ويؤكد أن الأجندة الشخصية قد طغت تماماً على الأجندة التنظيمية والوطنية.

لكن القصة لا تتوقÙ� عند المكتب الخاص، بل تمتد إلى مشهد يختزل أقصى درجات معاناة الرÙ�اق .. “مزرعة الطيور” .. Ù�Ù�ÙŠ الوقت الذي يعاني Ù�يه عشرات الرÙ�اق العاملين Ù�ÙŠ مكتب مالك عقار، وخصوصاً من الجيش الشعبي، الذين لا يملكون أحياناً حتى مصاريÙ�هم الشخصية ويكاÙ�حون لدعم أسرهم Ù�ÙŠ ظروÙ� مأساوية تمر بها كل الأسر السودانية بسبب الحرب، نجد أن السكرتير السياسي ÙŠÙ�تتح مزرعة طيور ضخمة، يستورد لها الطعام من إثيوبيا بآلاÙ� الدولارات، ويبيع الطائر الواحد بملايين الجنيهات السودانية، وهذا التناقض بين Ù�قر البعض وثراء البعض الاخر يمثل تجسيداً مأساوياً لمصير المشروع، الذي تحول من نضال حقيقي من أجل السودان الجديد إلى مجرد أداة لتحقيق مصالح شخصية ضيقة، وأصبح السكرتير السياسي رمزاً حياً لانحراÙ� المبادئ، ومثالاً صارخاً على تحول الحركة من منبر للتحرير إلى أداة للسلطة والانتهازية، حيث تستبدل القيم بالولاء للمناصب والثراء الÙ�ردي.

نواصل،،

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours